وَعَمَّتْ، وَتَبَدَّلَتِ الشَّرِيعَةُ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ
وَقَدْ أُخِذَ الْعُلَمَاءُ فِي عَهْدِ الْمَأْمُونِ وَالْمُعْتَصِمِ وَامْتُحِنُوا لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَشُورَةٍ مِنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. فَلَمَّا هُدِّدَ الْعُلَمَاءُ وَأُوذُوا قَالُوا بِذَلِكَ فَتُرِكُوا، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْهُمْ فِي الْمِحْنَةِ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ مَاتَ بَعْضُهُمْ فِي السِّجْنِ (1) .
وَنُقِل عَنْ أَحْمَدَ أَيَّامَ مِحْنَتِهِ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ سُئِل: إِنْ عُرِضْتَ عَلَى السَّيْفِ تُجِيبُ؟ قَال: لاَ، وَقَال: إِذَا أَجَابَ الْعَالِمُ تَقِيَّةً، وَالْجَاهِل يَجْهَل، فَمَتَى يَتَبَيَّنُ الْحَقُّ؟ (2) .
وَكَانَ أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ صَاحِبُ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ مِمَّنِ امْتُحِنَ فَصَبَرَ كَذَلِكَ وَلَمْ يُجِبْ إِلَى مَا طَلَبُوهُ مِنْهُ فِي فِتْنَةِ الْقَوْل بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، لَمَّا وُشِيَ بِهِ. وَقَدْ قَال لَهُ أَمِيرُ مِصْرَ الَّذِي كُلِّفَ بِمِحْنَتِهِ: قُل فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ. قَال: إِنَّهُ يَقْتَدِي بِي مِائَةُ أَلْفٍ وَلاَ يَدْرُونَ مَا الْمَعْنَى. وَقَدْ أَمَرَ بِحَمْلِهِ مِنْ مِصْرَ إِلَى بَغْدَادَ فِي الْحَدِيدِ، وَمَاتَ فِي السِّجْنِ بِبَغْدَادَ فِي الْقَيْدِ وَالْغُل رَحِمَهُ اللَّهُ (3)
وَكَانَ لِثَبَاتِ أَحْمَدَ وَالْبُوَيْطِيِّ وَمَنْ مَعَهُمَا أَثَرُهُ فِي
(1) البداية والنهاية لابن كثير 10 / 334، 335 القاهرة، مطبعة السعادة.
(2) أحمد محمد شاكر، في تعليق على دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة المترجمة إلى العربية مادة:"تقية"
(3) طبقات الشافعية للسبكي 1 / 276، 277 بيروت، دار المعرفة بالتصويري عن الطبعة المصرية القديمة.