فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 7694

{إن الذين كفروا} ولكن القائلون المذكورون لم يتميزوا فيهم بتعيين ولا بصفة من الصفات تميزهم عن سائر من كفر، هذا ما قلته، وقال القاضي: إنه إذا قلنا أل في الناس للعهد كانت موصولة أريد بها ابن أبي وأصحابه ونظراؤه، وأنهم من حيث صمموا على النفاق دخلوا في عداد الكفار المختوم على قلوبهم، وأن اختصاصهم بزيادة زادوها على الكفر لا يأبي دخولهم تحت هذا الجنس، فإن الأجنسا إنما تتنوع بزيادة تخلتف فيها أبعادها، وعلى هذا الوجه تكون الآية تقسيما لقوله: {إن الذين كفروا} وعلى الوجه الأول وهو جعل أل في الناس للحقيقة لا يكون تقسيما، لكن الأقسام على كل حال ثلاثة: مؤمن خالص، وكافر خالص، ومنافق مؤمن بلسانه فقط آمنا بالله واليوم الآخر والرسول والقرآن والملائكة وغير ذلك، وإنما خص الإيمان بالله واليوم الآخر لذكر تخصيصًا لما هو المقصود الأعظم من الإيمان، وإظهارًا لما ادعوه من أنهم اشتملوا على الإيمان من جانبيه، وحازوه كله وإعلامًا بأنهم منافقون فيما ظنوا أنهم فيه مخلصون، فكيف فيما قصدوا فيه النفاق، لأن المراد بقوله: {من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر} قوم من اليهود، كابون أبي وأصحابه ومن شايعهم من غير اليهود، وهم يؤمنون بالله وباليوم الآخر إيمانًا خالصًا في زعمهم، لكنه في الحقيقة منتف، لأن الإيمان بشيء على غير صفته ليس إيمانًا على الحقيقة، فإنهم آمنوا بالله وشبهوه بخلقه في العباء والحلول، واتخاذ الصاحبة سبحانه عن ذلك وعن كل نقص، فكأنهم لم يؤمنوا به، بل بغيره، لإن من اتصف بذلك لا يكون إلهًا، وآمنوا باليوم الآخر، ولكنهم قالوا إن الجنة لا يدخلها غيرهم، وإن النار لا تمسهم إلا أيامًا معدودة ويظنون أن إيمان المؤمنين مثل إيمانهم، وأيضًا خص الإيمان بالله واليوم الآخر بالذكر بيانًا لتضاعف خبثهم وإفراطهم في الكفر، لأن ما قررنا عنهم في زيغ إيمانهم بالله واليوم الآخر لا يكون إيمانًا ولو صدر عنهم على نيتهم المذكورة الزائغة فقط، فكيف يكون إيمانًا وقد قالوا تمويهًا على المسلمين، وتهكمًا بهم، وإنما أعاد الباء في قوله وباليوم الآخر إعلامًا بأنهم ادعوا الإيمان بالله على الأصالة والاستحكام، وباليوم الآخر على الأصالة والاستحكام كذلك، والقول اللفظ المفيد، ويطلق على التلفظ بكل ما وضع وضعًا بلغة عربية ولو غير مفيد، أو غير مركب أو بلغة غير عربية، أو بلفظ مهمل، هذا في اللغة، لأنه حكاية لما نطق به اللسان كائنًا ما كان، وأما تخصيصه لغير المهمل فإنما هو عندي في اصطلاح النحويين، ويطلق على الكلام النفسي وعلى الرأى مجازا، واختيار بعض المنطنين أنه حقيقة، ويطلق القول بمعنى المقول أيضًا على المعاني المذكورة كلها إطلاقًا للمصدر، على معنى اسم مفعول، واليوم الآخر وقت البعث إلى ما لا نهاية له، وقيل إلى أن يدخل أهل الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت