فهرس الكتاب

الصفحة 2095 من 7694

{فالقُ الإصْباحِ} شاق عمود الصبح عن الليل مظهر له من الظلمة ، والمفلوق هو الظلمة ، فلقها وأخرج منها الصبح ، وضمن الفلق معنى الإظهار ، فجعل الإصباح مفلوقًا أي مظهرًا ، والإصباح مصدر أصبح ، سمى به الصبح ، وهو الضوء الذي يكون في ذلك الوقت ، أو شاق الصبح عن بياض النهار ، أو بياضه هو أول ما يبدو من الفجر ، فيشق عنه الصبح وهو بياض أعظم ، ويشق الصبح عن الإسفار وهو أعظم والصبح ، فالمفلوق هنا على ظاهر وهو الإصباح بمعنى الصبح ، فإنه يشقه ويخرج عنه ضوء أعظم ، وإن قلت: كيف يكون ذلك في الوجهين شقًا وإنما هو إحداث لضوء بجانب ظلمة ، أو ضوء بجانب دونه؟

قلت: بل شق في الوسط لا إحداث لضوء بجانب ، لأن البحر المظلم لا تضيئه الشمس كله بل بعضه ، فإذا لم تكن الشمس بحيث يظهر ضوءها في طرف الباء والمحيط كله من جانب مطلع الفجر مظلم ، فإذا طلع الفجر فقد شقت الظلمة ، فبقى بعضها إلى ما توغل من المحيط ، وهو ما لا يصله ضوءها ، كما أنها إذا غربت انقطع المحيط الغربي ، بل من فوق وسطه ، فبعضه مضئ ، وبعضه المتوغل في الغرب لا ضوء فيه أبدًا ، وكذلك يكون الفلق على أصله ، إذا قلنا معنى فالق ، فالق الفجر الكاذب وهو الصبح الكاذب ، فإن الله يفلقه ويخرج منه الصادق ، وكذا إذا قدرنا مضافًا فقلنا: فالق ظلمة الإصباح ، أي الظلمة الصحيحة ، فإن الظلمة هي المفلوقة ، فيخرج الصبح منها .

وقيل: فالق بمعنى خالق ، وفالق خبر ثان لإن ، أو خبر لمحذوف ، أي هو فالق الإصباح ، أو خبر ثان لاسم الإشارة ، وقرئ فالق الإصباح بنصب فالق على المدح ، وجاعل الليل أيضا بالنصب عطفا وقرأ النخعي: فلق الإصباح وجعل الليل بلفظ الفعل فيهما ، ونصب ما بعد الفعل به ، وقرئ الإصباح بفتح همزة إصباح وهو جمع صبح .

{وجَعلَ اللَّيل سَكنًا} السكن ما يسكن إليه الإنسان مثلا ويناسبه للنوم والراحة ، ويأنس به ، وكذا الحيوان ، قال ابن عباس: كل ذى روح يسكن في الليل ، قال الله تعالى: {وجعل منها زوجها ليسكن إليها} ويجوز أن يكون من السكون ، لأن الحيوان ليسكن فيه عن الحركة ، قال الله تعالى: {لتسكنوا فيه} وكلام ابن عباس قابل للوجهين ، ولكن ذكرته أولا تصديقًا لقولى للنوم والراحة ، وذلك أن الحيوان لا بد له من تعب ما ، ولو انطرح على الأرض لا ينثنى ، لأن نظر العين ، وسمع الأذن وتكلم اللسان ، وفكر القلب أعمال أيضا .

وعلى كل حال فسكنًا فعل بمعنى مفعول أي مسكونًا إليه ، أو مسكونًا فيه ، والأظهر أنه لم يرد أنه جعل الليل فيما مضى سكنًا ، بل أراد أنه ما زال ولن يزال بجمله سكنا فجاعل اسم فاعل للحال ، فهو مضاف لمفعوله الأول ، وسكنًا المفعول الثاني ، فهو باعتبار حاله واستقباله ، فهذا أولى من أن يقال: إن الآية دليل للكسائي على جواز نصب المفعول بوصف الماضي ، ولو لم يكن صلة لأل على أن يكون جاعل بمعنى هو الذي رأيتم أنه جعل الليل سكنًا فيما مضى من أعماركم ، وسمعتم عمن قبلكم وأولى في أن يقال سكنا مفعول لجعل محذوفا ، أي جعل الليل سكنًا للفظ الفعل عطفا على فالق ، لأنه بمعنى فلق ، ولو أجاز الكسائي عمل الوصف الماضوى ، وقيل: لا يعمل الوصف المستمر ، لأن فيه ظرفًا من الماضي ، وفي تقدير الفعل إشكال لأنه لا بد أيضا أن يقدر لجاعل ما يتم به معناه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت