فهرس الكتاب

الصفحة 2868 من 7694

{وللّهِ} لا لغيره {يسْجدُ} حقيقة سجود {مَنْ في السَّموات} من الملائكة {والأرضِ} منهم ومن الإنس والجن {طوعا} حال الشدة والرخاء من الملائكة ومؤمنى الإنس والجن ومنافقيهما ، بغير إسرار الشرك {وكَرْهًا} حال الشدة من مشركيها ومنافقيها بإسرار الشرك أو بغيره ، كالموحد الذي لا يصلى إلا خوفا ، ولا يقع من الملائكة عصيان ، وزعم بعض أن عامتهم قد تعصى دون الخاصة وهو خطأ .

فإن قلت: سجود المنافق المسر للشرك ظاهر ، فإنه يسجد خوفا ، فما سجود المشرك كرها؟

قلت: هو أن يشتد به أمر فيلتجئ إلى الله ، ويكشف عنه .

وإن قلت: فما سجود المشرك المنكر لله؟

قلت: لا سجود له ، وليس مرادًا في الآية ، وإن شئت فقل: المراد في السجود الانقياد فلا يخرج عن الآية شيء ، لأن أجسام المؤمن والمنافق والمشرك بالمساواة أو بالجحود ، أو بخصله كلها لا تمتنع مما أراد الله فيها من تصرف كإمراض وإنحال ، وإسمان وترقيق وتغليظ ، وتبييض وتسويد ، وغير ذلك ، ولأن الجسم مقربا لله وطائع له ، ولو كفر القلب وعصاه ، واستعمل الجسم في المعصية ، ولا يقال: لو كان كذلك لكان تعذيب الجسم جورا ، تعالى الله عنه .

لأنا نقول: إنما يتألم القلب ويتوجع دونه ، ألا ترى أن المسكر لا يتوجع بما تفعله به حال السكر ، كذا ظهر لي ، وإن شئت فقل: المراد بالسجود مطلق الخضوع والانقياد ، فيتصور من بعض بالسجود على الأرض ونحوها ، وبغيره ، ومن بعض بغيره ، من عدم الامتناع مما يتصرف فيه الله .

ويجوز أن يراد بمن العاقل وغيره ، على أن السجود مطلق الخضوع والانقياد كما مر آنفا ، وطوعا حال على التأويل بالوصف ، أي طائعين وكارهين ، أو بتقدير مضاف أي ذوى طوع وذوى كره ، أو مفعول مطلق بحال محذوفة ، أو يطوعون طوعا ، وكارهين أو يكرهون كرها ، ويجوز التقدير بالإفراد في ذلك كله نظرا إلى لفظ من ، أو مفعول مطلق على حذف مضاف ، أي سجود طوع وسجود كره ، أو مفعول لأجله ألى للطوع والكره .

{وظِلالُهم} معطوف على مَنْ وهو جمع ظل ، ومعنى سجود الظل انقياده بتصريف الله جل جلاله فيه بالمد والقصر ، بحسب ارتفاع الشمس وانخفاضها بإذن الله ، أو معنى سجوده تبعه الذات ، أو مطلق الخضوع الشامل كله .

وقال ابن الأنبارى: لا يبعد أن يكون قد خلق الله للظل عقلا يسجد به ، ولو كان الظل عرضا ، وإن قلت هل يسجد ظل الكافر طوعا أو كرها .

قلت: طوعا كظل المؤمن كما ذكره الزجاج قائلا إن الكافر إذا سجد لغير الله سجد ظله لله ، وعن مجاهد أنه يسجد كرها وهو مشكل ، لأنه يقتضى كفر ذلك الظل وهو غير مكلف .

{بالغُدوِّ} أي في الغدو وهو جمع غداة كفتى وفتاة ، إلا أن نون فتى مكسورة بعد قلب واو فعول ياء ، لئلا تقلب الياء المشددة واوا ، ودال الغدو مضمومة باقية على الضم لمناسبة الواو ، وأصله غدو ، وأدغمت الواو في الواو ، والغدات أول النهار من طلوع الشمس ، وقيل: إلى نصف النهار ، وقيل: الغدو مفرد بمعنى الغداة ، وقيل: مصدر أي في وقت الغدو .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت