فهرس الكتاب

الصفحة 2098 من 7694

{وهُو الَّذى أنْشأكُم من نَفْسٍ واحِدةٍ} ابتدأ خلقكم من نفس واحدة هي أدم ، لأن أمنا حواء منه أيضا ، فصح أن يقال من نفس واحدة ، لأنا وإياها كلنا منه ، فما كان منها فهو أيضا منه ، هذا ما ظهر لي ، ولا يشكل عيسى لأنه من مريم ، وهي من أب وأم إلى آدم ، وهذا ايضا دليل لقدرة الله تعالى ووحدانيته {فمُسْتقرٌّ ومسْتَودعٌ} اسما مكان أي موضع استقرار ، وموضع استقرار ، أو مصدران ميميان أي لكم استقرار أو استيداع ، والوجهان في الأقوال الآتية كلها ، وهو حينئذ محذوف الخبر ، أي فلكم مستقر ومستودع ، فالمستقر صلب الأب أو الاستقرار فيه ، والمستودع رحم الأم أو الاستيداع فيه ، وذلك أن الاستقرار أعظم ثباتًا من الاستيداع ، لأن الاستيداع معرض للانتقال ، فكان المستقر أولى بالصلب ، كذلك روى عن ابن عباس ، وذلك أن النطفة أسبق في صلب الأب وأبقى فيه زمانًا أطول من بقائها في الرحم ، إذا خرجت من الأب إلى الرحم ، أعنى المادة التي تستحيل نطفة ، وهذا مشكلن لأن للأم أيضا نطفة سبقتها ، لأنها في صدرها .

والجواب أن المعتبر ماء الرجل لأنه أعظم وأكثر ، ووجهه بعض بأن النطفة حصلت في صلب الأب لا من قبل غيره ، ثم في رحم الأم من جهة الأب ، فهي فيها وديعة ، وعن ابن عباس المستقر رحم الأم ، والمستودع الصلب: وقرئ: {ونقر في الأرحام ما نشاء} لأن النطفة لم تبق في الأب نطفة إلا زمانًا قليلا بعد كونها نطفة ، وتبقى في رحم الأم أربعين يوما ، وتبقى مستحيلة أطوارًا وجنينا مدة طويلة ، وهذه الرواية عن ابن عباس هي المشهورة .

قال سعيد بن جبير: قال لي ابن عباس رضى الله عنهما: هل تزوجت؟ قلت: لا ، قال: أما أنه كان مستودعا في ظهرك فسيخرجه الله تعالى ، وهذا قول الجمهور ، قالوا: مستقر في الرحم ، مستودع في ظهور الآباء حتى يقضى الله بخروجه ، قال ابن عون: مشيت إلى منزل إبراهيم النخعي وهو مريض ، فقالوا: قد توفي فأخبرنى بعضهم أن عبد الرحمن بن الأسود سأله عن مستقر ومستودع فقال: مستقر في الرحم ومستودع في الصلب ، وكان ابن عباس يقرأ فمستقر الرحم ، ومستودع الصلب .

وعن ابن مسعود: المستقر الرحم والمستودع القبر إلى يوم يبعث ، وقال الحسن: المسقر ظهر الأرض في حياته ، والمستودع القبر بعد موته إلى البعث ، قال الله جل وعلا: {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} وبه قال مجاهد ، وروى عن الحسن عكس هذا ، وأنه كان يقول يا ابن آدم أنت مستودع في أهلك إلى أن تلحق بأهلك يعني القبر ، وقال ابن عطية: كل من الصلب والرحمن والدنيا والقبر والمحشر مستودع ، لأنه ينتقل من كل للآخر وكلا أيضا مستقر بالنسبة إلى ما قبله ، مستودع بالنسبة لما بعده ، والجنة أو النار مستقر على الإطلاق ، لأنه لا انتقال منهما ، وكأنه يرى الخلود في النار كالجنة ، وقيل: المستقر الجنة أو النار ، والمستودع القبر ، وتشكل الفاء بتفسير ما يليها في بعض هذه الأقوال بالمعنى الذي يتأخر وجوده عن معنى لفظ المستودع ، لما مرّ من أن المتعاطفات بغير الفاء وثم بعد المعطوف بالفاء لا ترتيب بينها وبين ما عطف قبلها بالفاء ، بل ترتيب بينهما بعد الفاء كله وما قبلها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت