{عَفَا اللهُ عَنْك} كناية عن أنه فعل ما ينبغى أن لا يفعله وهو الإذن لهم في القعود ، كما بينه بقوله: {لِمَ أذِنْتَ لَهم} وهذا عتاب وزجر عن المعاودة بعد العفو ، وذلك عتاب على ترك الأولى لا ذنب ، وذلك من اللطف والإكرام بمكان ، بدأ بالعفو قبل ذكر ما عنه العفو ، وقال عمرو بن ميمون الأودى: صدع رسول الله A برأيه في قضيتين دون أن يؤمر فيهما بشيء: هذه وأمر أسارى بدر في الفداء ، فعاتبه الله فيهما .
وليس العتاب بعد حصول العفو مستحيلا ، بل مستعمل كثير ، وفائدته تأكيد الزجر والتوقيف على عين لا عن العفو ، كما يعاتب السعيد يوم القيامة ، وقد بشر في قبره أو عند موته بالجنة ، ذلك هو الذي ظهر لي .
قال الشيخ هود C ، وجار الله ، والقاضي ما حاصله: إن العفو كناية عن أنه لم يصب في الإذن ، وأن العفو إنما يكون عن ذنب ، وهو من روادف ذلك ، ولا بأس بذلك ، لأن المراد أن إذنه ولو كان غير ذنب لكنه كالذنب في حقه A ، بل جوز بعضهم الصغائر في حق الأنبياء ، وقال السعد: أجاز الكثيرون الصغائر على الأنبياء سهوا منهم عليهم السلام ، ولكن في عبارة جار الله خشونة ، إذ قال: أخطأت وبئس ما فعلت ، وما كان يحسن له أن يعبر بذلك ، وقد راعى الله سبحانه وتعالى مخافته ووقاره بتقديم العفو ، وذكر الإذن المنبيء عن علو المرتبة ، وقوة التصرف ، وأراد الكلام في صورة الاستفهام ، وإن كان القصد إلى الإنكار .
وقيل: قوله: {عفا الله عنك} استفتاح كلام بخير ، كما تقول: أعزك الله ، وأصلحك الله ما فعلت في أمرى ، ولا ذنب هناك ، أو فيه ترك الأولى ، وفي حديث: « عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق » مع أنه لم تلزم صدقة فيهما قط ، بل قال القشيرى: إنما يقول: إن العفو ولا يكون إلا عن ذنب ، ولم يعرف كلام العرب ، وإن معنى: {عفا الله عنك} لم يلزمك ذنب ، كما يقال: لا بأس عليك .
وقيل: المعنى عافاك الله ، وقيل: أدام لك العفو كيف يكون إذنه ذنبا ، مع أن ذلك من جنس ما يتعلق إلى اجتهاده في الحروب ومصالح الدنيا ، قيل: ومع أن الله سبحانه وتعالى قد قال له: {فأذن لمن شئت منهم} قلت: بل قال هذا في المؤمنين ، وآية هذه السورة في المنافقين .
{حتَّى يتبيَّنَ} متعلق بمحذوف ، أي هلا توقفت حتى يتبين ، ويجوز أن يكون المراد الزجر عن معاودة مثل ذلك فيقدر لا تأذن لهم {لَكَ الَّذينَ صدقُوا} في اعتذار {وتَعْلم الكَاذِبينَ} فيه ، والفريقان منافقون ، وقيل: مختلطون ، والصادقون مؤمنون وهو ضعيف ، بل يجوز ألا يكون فيهم صادق في اعتذاره أصلا ، ولكن أتى الله بذلك الكلام تتميما للعتاب ، كأنه قال: لم أذنت لهم قبل تبين الصادق لو كان فيهم والكاذب ، وقيل: الذين صدقوا في أنهم لو لم تأذن لهم لخرجوا معك ، والكاذبين لأنهم لا يعرجون ولو لم تأذن لهم ، وفي كتاب الناسخ والمنسوخ إن قوله سبحانه وتعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} منسوخ بقوله: