{يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ} يقول بعض لبعض بإسرار؛ لما ملأ صدورهم من الرهب . والخفت ، وهو إخفاء الصوت بينهم: {إنْ} أي ما {لَبِثْتُمْ} أقمتم في الدنيا أو في القبر {إلاّ عَشْرًا} أي ليالى عشرا بأيامها ، أو أنها في مقدار عشر ليال بدون أيام .
وقيل: المراد عشر ساعات .
ويجوز أن يراد بالعشر الأيام ، وحذف التاء على هذا الحذف المعدود . ويناسب هذا كل المناسبة ذكر اليوم بعد .
وإنما استقصروا مدة لبثهم في الدنيا لأن الزائل وإن طكال قصير بالانتهاء .
قال عبد الله بن المعتز: تحت قولهم: أطال الله بقاءك-: كفى بالانتهاء قصرا ، ولاستيطارهم الآخرة ، فإنها أبد سرمد ، يستقصر إليها عمر الدنيا بأجمعه! فكيف بأيام إنسان! أو لما يعانون من الشدائد ، على انتفاع قليل فيها التي تذكرهم أيام النعمة ، فيتأسفون عليها ، ويصفونها بالقصر؛ لأن أيام السرور قِصار ، وتذكرهم الغبن الواقع ببيع دائِم بقليل .
وقيل: المراد اللبث فيما بين النفختين . نفخة الموت ، ونفخة البعث ، فإنهم لا يعذبون في ذلك الوقت بعد ما كانوا يعذبون في قبورهم ، على قول صحيح . وذلك مقدار أربعين سنة .
واستدل بعضهم على أن المراد اللبث في القبر ، من حين الموت إلى البعث بقوله تعالى: {يوم تقوم الساعة} الآيات .
وأشار الله جل وعلا إلى أن قائلى ذلك لم يبلغوا حد التقليل ، وأنها أقل مما قالوا بقوله: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} في مدة اللبث .
{إذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ} أعدلهم وأفضلهم {طَرِيقَةً} أي رأيا ، أو عملا: {إنْ لَبِثْتُمْ إلاّ يَوْمًا} بليلته أو دونها .
وقيل: لم يقولوا ذلك استقصارا ، بل نسوا مقدار لبثهم ، لشدة ما دهمهم .
ويجوز كون واو يقولون لجملة المجرمين ، أي نحن أعلم بما يقولونه سرا ، فبعض قال: لبثنا عشرا ، وبعض قال: يوما .
وسأل جماعة من المسلمين للنبي A عن مآل الجبال يوم القيامة ، فأنزل الله D: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجِبَالِ} أي عن مآلها . والمضارع بمعنى الماضي ، أو مستقبل؛ فإن القرآن مخلوق قبل ذلك السؤال .
{فَقُل يَنْسِفُهَا نَسْفًا} أي يفرقها بالريح . استعمل الخاص في العام؛ فإن النسف: النفخ على الشيء ، أو هبوب الريح قِبَله فيطير ، فاستعمله في مجرد التفريق حتى يحتاج بعد ذلك إلى البيان بقولك بالريح ، أو أسند النسف إليه مع أنه للريح؛ لأنه أمرها لوقت مخصوص ومالك أمرها ، أو يقدر مضاف ، أي ينسفها أو تنسفها ريح ربي .
والريح يذكر ويؤنث ، وإن أنث بالتاء في أول المضارع مثلا أبدلت بالياء إذا حذف وغاب عنه غير المؤنث .
وعن ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله A: كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فأنزل الله سبحانه الآية . وعليه فإنما عبَّر بالجماعة لأن السائل من جماعة فكأنما سألوه ، والواو للجماعة معتبر فيها الحقيقة لا الأفراد .
وعن بعضهم: النسف القلم من الأصلز
وعن بعضهم: يجعلها كالرمل ، ثم يرسل عليها لارياح فتفرقها ، فيصح أن يقول: أسند النسف إلى نفسه ، لأن جعلها كالرمل سبب للنسف .
وقيل: سأله جماعة من المشركين على لسان رجل ، وهم غائبون وحضور . فأمر الواو واضح ، ولا سيما إن سأل كل على حدة .