{وقالَ للَّذى ظَنَّ أنه ناجٍ مِنْها} أي علم أنه ناج بدليل قوله: {قضى الأمر} فإن المعنى قضى الله ، وهو مقضى ما مر من أن الله جل وعلا أتحفه بتأويل الرؤيا ، وإلقاء جبريل لؤلؤة صفراء في فيه ، وإن كان الأمر في ذلك موكولا إلى اجتهاد ، فكان على شك في التعبير ، ولو كان لا بد من صدق تعبيره فالظن رجحان ، فمعنى {قُضى الأمر} فرغت من التعبير والحكم ، وعلى هذا الوجه قتادة ، والضمير في ظن ليوسف كالذي في قال ، ويجوز كونه لصاحب الشراب ، وعليه فيحتمل أنه رجحان ، ويحتمل أنه جزم بصدق يوسف ، والاحتمالان في جانب صاحب الشراب ، ولو كان تعبير يوسف بوحى لا باجتهاد إن لم يؤمر إلا بعد ذلك ، أو قد آمن وضعف إيمانه ، أو لم يعلم أنه بالوحي ، وذلك الناجى هو صاحب الشراب المذكور .
{اذْكُرنى} اذكر حالى {عِنْد ربِّك} سيدك وهو الملك الأبكر يخلصنى من السجن ، وقل له: إن في السجن غلاما محبسوسا ظلما ، وفي رواية بعد ذلك طال سجنه ، وفي رواية: قل له: إن في حبسك غلاما عبرانيا منذ خمس سنين ظلما ، ونسبة إلى ما هو منه برئ ، ويجوز أن يكون المراد اذكر منزتلى في الحسب والنسب ، والعلم والمكانة ، أو اذكر هذا وكونى مظلوما إذ سجنت بما أنا برئ منه ، فقال صاحب الشراب: إن شاء الله .
{فأنْساهُ الشَّيطانُ} وسوس له بما يشغله حتى يقع في النسيان ، وأما الإنساء ابتداء فلا يقدر عليه إلا الله {ذِكْر ربِّه} أنسى الشيطان ذلك الساقى ذكر يوسف عند ربه ، أي سيده ، وأضاف الذكر لربه ، لأن ذكر يوسف إنما يقع من الساقى عند الملك ، والأإضافة تصح لأدنى ملابسة ، ويجوز أن يقدر مضاف ، أي ذكر إخبار ربه بكسر الهمزة ، ويجوز أن تعود الهاءان إلى يوسف ، فيكون الرب هو الله جل وعلا ، أي أنسى الشيطان يوسف أن يذكر الله حين وكَّل أمره إلا غيره ، وعليه الأكثر ، وفي الحديث عن رسول الله A: « لا يقل أحدكم عبدى وأمتى وليقل فتاى وتفاتى ، ولا يقل المملوك لسيده وسيدته ربي وربتى وليقل سيدى وسيدتى كلهم عبد والله هو الرب » .
{فَلَبثَ في السِّجنِ} الفاء سببية ، والسبب إنساء الشيطان ، والمعطوف عليه قوله: {أنساه الشيطان} أو السبب هو قوله: {للذى ظن أنه ناج منهما اذكرنى} وعليه فاعلطف على قوله: {قال} ويدل لهذا A: « رحم الله أخى يوسف لو لم يقل اذكرنى عند ربك ما لبث في السجن ما لبث » وعن ابن عباس: عند يوسف ثلاث عثرات: هم بها فسجن ، وقال اذكرنى عند ربك فلبث في السجن بضع سنين ، وقال لإخوته إنكم لسارقون ، قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل .