{هُوَ الَّذىِ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ} : القرآن منه .
{مِنْهُ آياتٌ مُحْكمْاتٌ} : مصونة عن الإجمال والالتباسن والاحتمال اسم مفعول ، أحكم أمرا أتقنه عن كذا .
{هُنَّ أمُّ الكِتَابِ} : أي أصله يرد إليها غيرها من المتشابه مثل قوله تعالى {لا تدركه الأبصار} فإنه محكمن وقوله {إلى ربها ناضرة} متشابه يحتمل النظر إلى ذاته ، ويحتمل انتظار ثوابه ، فيحتمل انتظار الثواب ، ردا غلى قوله {لا تدركه الأبصار} ومثل قوله تعالى {لا يأمر بالفحشاء} فإنه محكم .
وقوله: {أمرنا مترفيها} مشتبه ، أمرناهم بالفسق أو الطاعة ، فيجمل على الأمر بالطاعة ردا إلى قوله تعالى: {لا يأمر بالفحشاء} وإنما لم يقل أمهات لأن الكل بمنزلة آية واحدة ، أو لاعتبار أن كل واحدة منهن أم الكتاب .
{وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} : عطف على {آياتٌ مُحْكمْات} ، أي: محتملات ، أو مجملات ، أو ملتبسات ، لا تظهر إلا بالبحث ، الشديد لتعارضها مع أخرى ، أو أمر عقلي ، وأخر جمع آخر ، وأخرى اسم يدل في الأصل على التفضيل ، لأنه مؤنث ، اسم التفضيل في الأصل وهو آخر بمد الهمزة وفتح الخاء ، فإن اصل معنى أخر وأخرى ، ما هو أزيد في التأخير في صفة أو فعل ، أو المكان أو الزمان ، ثم استعمل في تغاير الذات للأخرى ، فلخروجه عن معناه وعن التفضيل أيضًا صار يطابق ما هو لهُ ، ولو لم يعرف بال ، ولم يضف لمعرفة ، فإنك لا تقول: ارأة فضلى فالأفضل: وتقول: المرأة الفضلى ، أو كذا في التثنية ، والجمع تقول: نساء افضل ، والنساء الفضل ، فقيل: أخر - بضم الهمزة وفتح الخاء - معدود عن الآخر ، كذلك بال ، وخص العرف بالإضافة ، وإنما قلت والتأنيث لأن الفعل في الجمع ، بضم ففتح مخصوص بالمؤنث ، وقيل: معدود عن لفظ آخر بالمد ، للهمزة ، والفتح للخاء ، وهو بالإفراد والتذكير ، وإن قات: هَلاَّ كان القرآن كله محكمًا؟ . قلت: كان فيه المتشابه ، لن كلام العرب إما ظاهر صريح ، وإما غيره ككناية ، وتلويح وهومستحسنن فاشتمل القرآن عليهما 'ذ نزل بلغة العرب ، وليقف المؤمن عنج المتشابهن ويرده إلى الله ، ويرتاب المنافق ، كما ابتلى بنو إسرائيل بالنهر ، وليقوى الثواب ، باستخراج معناه لمعربته ، ولأنه لو كان كله محكمًا ، بقى الإنسان في الجهل والتقليد ، لعدم الحاجة في الحكم إلى الدلائل العقلية ، وليفتقر إلى تحصيل ما تقوى به معرفته من النحو ، والتصريف ، واللغة ، وأصول الفقه ، ولأن طباع الناس تتوانى أكثر الأمر عن إدراك الحقائق ، والقرآن مشتمل على عدم الخاص والعام ، فخطبوا بما يناسب ما توهموا ، وقرن بما يدل على الحقيقة من التوحيد ، مثلا فدالالحقيقة محكم ، والموهم مشتبه ، فإن من قرع أذن أن الله ليس بجسم ، ولا متحيز ، ولا حال ، ولا مشار إليه ، توهم العدم وخوطب أولا بالأفاظ ، يثبت لهُ ما يزيد على ذلك منكره ماذا يقول . . ؟ فأجابه ذلك بعض ، بان يقول مثل ما قال المشبه ، فيكون قد أنكر الله ، يعني أن منشبه الله بجعله جسمًا ، أم متحيزا ، أو مشار إليه ، أو حالًا ، فقد جعله منجنس المخلوق ، ملبس بخالق ، فقد أنكره ، تعالى عن ذلك .