{وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ فَلَنْ يُكْفَروه} : الخطاب لهذه الأمة الشاملة لمن آمن من أهل الكتاب برسول الله A ، أي ما تفعلوا من الأعمال الصالحات ، فلن تحرموا ثوابه كله ، ولا بعضه ، فلتضم الكفر أن معنى الحرمان تعدى لاثنين: أحدهما الواو النائب عن الفاعل ، والآخر الهاء وقرأ عاصم في رواة حفص ، وحمزة ، والكسائي: يفعلوا ويكفروه بالمثاة التحتية فيهما ، على أن الواوين للأمة القائمة . وروى أن أبا عمرو وقرأ بالقراءتين روى أن جهال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلام وأصحابه: إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان ، فنزلت الآية كأنه قال: بلى فازوا بالدرجات العلا بسبب إنقيادهم لحكم ربهم ، والمقصود مدحهم بما فعلوا ، ليزول عن قلوبهم أثر كلام هؤلاء الجهال ، وسمى منه الثواب كله أو بعضه كفرًا ، نظرًا إلى أنه سمى إيصال الثواب شكرًا في قوله تعالى {فإن الله شاكر عليم} ونحوه أو لأن الكفر لغة الستر ، فسمى منع الجزاء ، أو بعضه كفرًا ، لأن منعه بمنزلة الستر والله تعالى لا يوصف بالكفر ، إنه لا نعمة لأحد عليه ، فضلا عن أم يكفرها فكام المعنى لا يمنعهم الثواب أو بعضه مع أن نفى وقوع الشيء لا يستلزم إمكانه ، كقوله تعالى {لم يتخذ ولدًا} وقوله: {لم يلد} فإن إمكان ذلك ووقوعه ، كلاهما مستحيل ولاستحالته ، نره اللفظ عن إساماد الكفر إليه ، بأن بُنِى للمفعول ، إذ لم يقل فلن أكفره ، أو فلن يكفره الله ، وليكون الكلام على طريق العظمة في كلام العظماء الأمراء للرعية: يُصنع لكم كذا ولن تمنعوا من كذا ، بالبناء للمفعول بدل أصنع لكم ولن أمنعكم .
{واللهُ عَليمٌ بالمُتّقِين} : بشارة للمتقيل من هذه الأمة ومن آمن من أهل الكتاب ، بجزيل الثواب ، ودلالة على أنه إنما الفوز بالتقوى فقط وأنها مبدأ الخير وحسن العمل ، فعلمه تعالى كناية عن إثابتهم على تقواهم ولما وصف المؤمنين بالصفات الحسنة أتبعها وعيد الكفار ليجمع بين الوعد والوعيد ، فقال: