{وعَلى الثَّلاثةِ الَّذينَ خُلِّفُوا} عن الغزوة ، وخُلِّفوا عن التوبة بدليل {حتى إذا ضاقت} الخ ، ولم يخضعوا كما خضع أبو لبابة وأصحابه فأخرت توبتهم ، كما قيل: إنهم خلف أمرهم ، فقد قيل: إنهم المرجون لأمر الله ، ونسب لمجاهد ، كما روى عن كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة: ليس بتخلفنا عن الغزو ، ولكن تأخير النظر في أمرنا ، وقال الحسن: هم غيرهم ، والعطف على قوله D: {على النبي} وقرأ جعفر الصادق: خالفوا ، والأعمش: وعلى الثلاثة المتخلفين .
{حتَّى إذا ضَاقَتْ عَليهم الأرْض بما رَحُبتْ} الباء بمعنى مع ، وما مصدرية ، أي مع ربحها أي سعتها ضاقت عليهم خوفا من الله ، ولإعراض الناس عنهم بالكلية فضيقها ، مثل للحيرة في أمرهم ، كأنهم لا يجدون فيها مكانا يقرون فيه ، قال كعب ، وهو أحد الثلاثة: تحيرت حتى تنكرت الأرض في نفسي ، فما هي بالأرض التي أعرف .
{وضَاقَت عَليْهم أنفُسُهم} قلوبهم لشدة الوحشة والغم ، لا تأنس بشيء ، ولا تسر به ، وقد أمر رسول الله A أن لا يكلمهم أحد ، ولا يجالسهم ولا يأويهم أهلهم {وظَنُّوا} علموا {أنْ} مخففة {لا ملْجأ منَ} غضب {اللهِ} متعلق بمحذوف خبر لا ، وإلا كان ملجأ منونا {إلاَّ إليهِ} أي إلا إلى استغفاره ، والاستثناء مفرغ أي إلى شيء إلا إليه ، فحذف قولك إلى شيء ، ويجوز كون من الله نعتا لملجأ وإليه خبرا ، وسئل أبو بكر الوراق عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت ، وتضيق عليه نفسه ، كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه .
{ثمَّ تابَ عَليْهم} وفقهم للتوبة {ليتُوبُوا} أو قبل توبتهم ليعدوا في جملة التوَّابين ، وذكر التوبة مع ذكرها بقوله: {وعلى الثلاثة} تأكيدا أو الأولى بمعنى غفران الذنب ، وقوله: {ثم تاب} الخ بمعنى إزالة الوحشة ليستقيموا على الندم ، ويعدوا من جملة التوَّابين ، أو ليعتادوا التوبة إذا أذنبوا بعد ، أو كررت لتكون بحيز ما فعلوا ، كما تقول: عفوت عن عبدى عصانى وتضرع إلى فعفوت عنه ، أو هذه توبة أخرى ، أي رجع عليهم بالتوبة والرحمة مرة أخرى ليستقيموا على التوبة ، ويطمئنوا .
وعلى كل حال فإنما بدأ بالتوبة تنبيها على تلقى النعمة ، ولو كان الكلام في تعديد الذنب لكان الابتداء بما يليق بالمذنب ، وإنما شدد على هؤلاء الثلاثة لعظم شأنهم ، ففى تخلفهم حجة للمنافقين والطاعنين ، إذ هم: كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، وكان كعب من أهل العقبة ، وصاحباه من أهل بدر ، وبقدر الترقى في المعالي يشتد قبح المعصية والمكروهات ، وخلاف الأولى ، ألا ترى الثوب الشديد البياض والصفاء والنقاء والملاسة ، يتأثر فيه من الوسخ مالا يتأثر في غيره ، ويظهر فيه منه ما لا يظهر في غيره .