فهرس الكتاب

الصفحة 2351 من 7694

{ولَوْ عَلم الله فِيهمْ خَيرا} سعادة قضى لَهم بها في الأزل ، وانتفاعا بالآيات والوعظ قضى لهم به فيه {لأسْمعَهم} أي الآيات والوعظ سماع تفهم وقبول ، لكن لم يعلم فيهم خيرا فلم يسمعهم ، ونفى علم الخبر اكتفاء بنفى اللازم عن نفى الملزوم ، وذلك أنه لو ك إن فيهم خيرًا لعلمه ولا بد .

{ولَوْ أسْمعَهم} سماع تفهم وقبول فآمنوا {لَتولَّوْا} لارتدوا وماتوا على الارتداد ولما سبق عليهم من الشقاوة {وهُم مُعْرضُون} عنادا وطيشا ، وهذه القضية الثانية الشرطية مستأنفة أو معطوفة على الأولى ، ولكن عطف على أخرى لا متصلة بالأولى ، بحيث تكونان على طريق القياس الاقترانى والأنتج ، ولو علم فيهم خيرا لتولوا هذا خلف ، لأن من علم الله فيه الخير لا يتولى ويموت على الارتداد ، فليس قياسا اقترانيا ، ولو اتخذ الوسط وهو الإسماع الذي هو جواب لو ، أو الإسماع الذي هو شرط لو ، في أن المراد بهما معا سماع التفهم والقبول ، ولك أن تجعل ذلك على طريق القياس الاقترانى ، أن تجعل الوسط متحدا كما علمت ، وتجعل الخير بمعنى الإيمان ، والانتفاع مطلقا بمعنى السعادة ، ولا بمعنى الإيمان والانتفاع الذين يموت عليها الإنسان ، أي لو علم الله في الأزل أنهم يؤمنون ويعملون الصالحات لأسمعهم الآيات والوعظ ، ولو أسمعهم الآيات والوعظ لارتدوا عن ذلك للشقاوة ، فينتج لو علم فيهم الإيمان والعمل الصالح لتولوا عنهما بعد العمل بهما للشقاوة ، والوجه الأول أظهر عندي ، وكلاهما جائزز

هذا ما ظهر لي بعد التأمل ، ثم رأيت ابن هشام أشار إلى الثاني والحمد لله على موافقة علامة ، وأما أن يجعل الوسط مختلفا هكذا لأسمعهم سماع تفهم وقبول ، ولو أسمعهم سماع غير تفهم وقبول فلا يصح عندي ، لأن لو امتناعية ، فيلزم انتفاء إسماعهم سماع غير تفهم وقبول وهو موجود ، لأنه السماع بالأذن ، اللهم إلا إن أريد بهذا الإسماع الذي هو غير سماع تفهم وقبول ، سماع زائد على سماع الأذن غير بالغ درجة النفع ، أو تجعل لو بمعنى إن الشرطية لكن يضعف هذا قرن جوابها بالام ، فإن اللام أصل في الامتناعية .

وقد أثبت القاضي وابن هشام هذا الوجه الذي هو اختلاف الوسط ، ولم أر من أورد عليهما ما أوردت ، ولا من أجاب بما أجبت ، لكن كلام القاضي محتمل للوجه الأول ، وما ذكرته من جوز كون الكلام على طريق القياس الاقترانى مبنى على التحقيق ، لأنه يكون في القضايا الشرطية ، كما يكون في الجملة ، لا كما قال الأخضرى إنه مختص بالقضايا الجملية ، وهو هنا من قضيتين شرطيتين متصلتين .

وقيل: إنهم قالوا أحيى لنا قصيا فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك بالنبوة فنؤمن لك ، فالمعنى: لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم كلام قصى ، بأن يحييه فيتكلم لهم بذلك ، ولو اسمعهم كلامه لتولوا ، والكلام في هذا القول قابل لما ذكرته ، من أن الكلام على طريق القياس الاقترانى ، وعلى غير طريقه ، وجملة هم معرضون حال مؤكدة لعاملها ، فإن التولى عن الحق ، والإعراض عنه بمعنى ترك اتباعه ، وإن جعل ذلك تمثيلا بمن تولى بجسده أعرض بقلبه ، فليست مؤكدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت