{لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} : آى يستوى في الثواب القاعدون عن الجهاد ، والمجاهدون في سبيل الله ، ومن المؤمنين حال من « القاعدون » أو من الضمير المستتر فيه ، ومن للتبعيض ، واستثنى أولى الضرر كالعمى والعرج ، فغير حال من القاعدون أو من المستتر أو مفعول ، أي أعنى وبسطت ، نصب غير في النحو ، وقرأ غير نافع والكسائي وابن عامر برفع غير ، على أنه بدل أو نعت القاعدون ، لأن تعريف الموصول في القاعدين للجنس الذي به الإفراد للاستغراق فجاز نعته بغير ، ولو كانت اضافتها لا تفيد التعريف ، والمعرف تعريف جنس يجوز نعته بالنكرة .
وقيل: أن غير إذا وقعت بين ضدين تعريف بالاضافة للمعرفةن كما هنا ، فتكون هنا نعتا للقاعدون ، لأن المعرف تعريف جنس يجوز نعته بالمعرفة وهو الأصل ، ومنع بعض نعته بالنكرة ، وقريء بالجر على أنه نعت للمؤمنين أو بدل منه .
قال زيد بن ثابت: كنت الى جنب رسول الله A فغشيته السكينة ، فوقعت فخذه على فخذى حتى خشيت أن يرضها ، أي يكسرها ، ثم سرى عنه ، أي كشف عنه ما كان به من شدة الوحي ، فقال: اكتب ، فكتبت في كشف: {لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِين وَالمُجَاهِدُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} وليس فيها {غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ} فقال ابن أم مكتوم وكان أعمى يا رسول الله ، وكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين .
ويروى: والله لو استطعت لجاهدت ، فغشيته السكينة فوقعت فخذه على فخذى حتى خشيت أن يرضها أي يكسرها ثم قال: « اقرأ يا زيد » فقرأت: {لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِين} فقال: {غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ} قال زيد: أنزلها الله وحدها فألحقتها ، والذي نفسي بيده لكأنى أنظر الى ملحقها عند صدع في الكتف ، أي الى موضع الحاقها من الكتف ، وذلك ولين بهذه الأمة وفع لم يرفع غيرها به يحتاجون بشيء ، أو يغنم به أحد ، فينزل فيه قرآن .
ورواية ابن عازب تفصح أن زيد بن ثابت لم يحضر حين نزلت الآية ، بل نزلت وهو غائب فدعى ليكتبها ، فعن البراء بن عازب: لما نزلت: {لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِين} دعا رسول الله A زيدا فجاء بكتف فكتبها ، وشكا ابن أم مكتوم ضرارته فنزلت الآية: {لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِين غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ} يعني أعاد جبريل النزول بلفظ: {لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ} فزاد بعده {غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ} ، وانما أعاده بأمر الله ، وفوض لذالك ونحوه ، وما فوض اليه داخل فيما أمر به ، وانما أعاده ليبين موضع الزيادة لا لتكرر تلاوته ، ثم أن المراد أن غير أولى الضرر نزل في محله بعدما نزل ما بعده وما قبله كما مر .