{وما قَدرُوا الله حقَّ قَدْره} قال الأخنس: ما عرفوا الله حق معرفته ، يقال: قدرت الشيء أي عرفت قدره بصفاته ، ومن لم يعرفهُ بصفته قيل لم يقدره أي قدره ، وفي الحديث: « إذا غم عليكم فاقدروا له » أي فاعرفوه بإتمام عدة شعبان ، ولما كان قدر الشيء طريقًا وسببًا إلى أن يعرف الشيء به استعمل لفظ قدر بمعنى عرف ، والمراد حق قدره في النعمة ، إذ جعلوا أعظم النعمة وهو بعث الرسل والوحي باطلا غير موجود ، أو قدره في السخط والبطش على ن قال مثل ما قالوا من الكفرة ، أو قدره في ذلك كله وسائر صفاته ، فعن أبي العالية: ما وصفوا الله حق صفته ، ولفظ الفخر عنه: ما وصفوه حق قدرته وعظمته ، وعن ابن عباس: ما عظموا الله حق عظمته ، هذا لفظ الفخر عنه ، وفي رواية عنه: ما آمنوا أن الله على كل شيء قدير ، وتلك معان صحيحة يرفع بعضها إلى بعض .
{إذ قالُوا ما أنزلَ اللهُ عَلى بشرٍ مِنْ شَئٍ} لا وحى ولا كتاب ولا رسول ولا نبي من الله ، وذلك أن النبوة والرسالة بالوحي ، فإنكار الوحي لهما وللكتاب ، وضمير قدروا وقالوا لليهود على قول الجمهور وهو الصحيح ، وكانوا يختلطون بقريش في مكة وغيرها قبل الهجرة ، وقد قالوا ذلكن فلما أنزلت سورة الأنعام جملة في مكة ، أنزل ذلك فيها ردًا عليهم ، إذ أنكروا الوحي إلى رسول الله A ، وأنكروا إنزال القرآن عليه ، وأنكروا كونه نبيًا ورسولا ، وبالغوا في ذلك حتى أنكروا غيره من الأنبياء والوحي إليهم ، بمالغة في إنكار رسول الله A ، ويدل على أن ذلك في اليهود لعنهم الله قوله تعالى:
{قُلْ مَنْ انْزل الكتاب الَّذى جَاء به مُوسَى نُورًا وهُدًى للنَّاس تَجْعلونَه قَراطِيسَ تُبدونَها وتُخْفون كَثيرًا} فإن غير اليهود لا يقرون بموسى عليه السلام والتوراة ، فكيف يحتج على غيرهم بهما إذ أنكروا سيدنا محمدًا A ، وقريش لو خالطوا اليهود وذاكرو موسى والتوراة ، وتناولوا الإيمان بهما ، لكن لم يَبلغوا من الإيمان بهما بحيث يحتج عليهم بهما إذ لم يرسخ ذلك ، والذين يجعلون التوراة قراطيسَ يبدونها ويخفون كثيرًا هم اليهود لا غيرهم ، والخطاب لهم ، ومن قرأ يجعلونه ويبدونها ويخفون بالمثناة التحتية وهو ابن كثير وأبو عمرو راعى قوله تعالى: {قالوا} وقوله تعالى: {وما قدروا الله} واليهود ولو لم يقرءوا التوراة وموسى ، لكن فيهم من أنكرهما مبالغة لغضبه ، وقوله: {قالوا احكم} على المجموع وأيضا أنهم ولو أنكروا ذلك على قائله وعزلوه لم يفعلوا ذلك لله ولا من قلوبهم ، لكنهم رأوا منه ما لا يروج عنهم ، فأظهروا الإنكار ، فلو نفع ذلك في إبطال دين سيدنا محمد A لم ينكروه ولم يعزلوه .