{سَمَاعُونَ لِلكَذِبِ} : كرر للتأكيد أن جعلناه في حق المناقين واليهود ومنافقى اليهود ، ولك أن تجعله مستأنفًا في وصف اليهود ، فلا تكرير ويدل قوله:
{أَكَالُونَ لِلسُّحتِ} : لأن المتبادر في ذلك الزمان أن أكل السحت فعل اليهود ، يأكلون المال على الرشوة والكتمان والتحريف ، والسحت المال الحرام ، سمى لأنه مسحوت البركة ، ولأنه سحت الدين والمروءة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب ، بضم الحاء والسين وهو لغة ، قريء بفتح السين والحاء وبفتحها مع إسكان الحاء والمعنى واحد ، وقريء بفتح السين وإسكان الحاء على المصدرية ، أي المال السحت ، أو سمى المال الحرام باسم القطع وهو السحت بالفتح والإسكان مبالغة ، كأنه نفس القطع .
فالسحت بالضم المال الآتى بطريق الرشوة في الحكم ، وكتم الحق ، والتحريف والشفاعة في حدود الله وبالربا ، وبوجه من وجوه الحرام كله كالزناء والكهانة والدلالة على نفس أو مال ، وتحليل الحلال ، وتحريم الحرام ، وهما من التحريف .
قال الحسن: كان الحاكم في بنى اسرائيل إذا أتاه أحد برشوة جعلها في كمه فأراها اياه ، وتكلم بحاجتهن فيسمع منه ولا ينظر الى خصمه ، فهو يسمع الكذب ، ويأكل الرشوة يفسر بذلك سماعون للكذب ، أكالون للسحت ، ويلتحق بهؤلاء اليهود الفساق الفاعلون لذلك .
كما روى أن عاملا قدم من علمه فجاءه قومه ، فقدم اليه العراضة وجعل يحدثهم بما جرى له في علمه ، فقال أعرابى من قومه: نحن كما قال تعالى: {سَمَاعُونَ لِلكَذِبِ أَكَالُونَ لِلسُّحتِ} وقال A: « كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به » وفي الحديث: « لعن الله الراشى والمرتشى » قال الحسن انما ذلك في الحاكم إذا رشوته ليحق لك باطلا ، أو يبطل حقًا ، وقال ابن مسعود: الرشوة في كل شيء ممن شفع شفاعة ليرد بها حقان أو يدفع بها ظلمًا ، فأهدى اليه لذلك فقبل ، فقيل يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك الا الأخذ على الحكم .
{فَإِن جَآءُوكَ} : أي اليهود .
{فَأحكُم بَيْنَهُم} : بالقرآن .
{أَوْ أَعرِض عَنْهُم وَإِن تُعرِضْ عَنهُم فَلَن يَضُرُوكَ شَيئَا} : أي لن يضروك ضرًا بقتال ولا ضرب ، أو لن يضروك في دينك ضرًا أي ليس عليك في الاعراض عنه بشيء من الاثم ، وغير اليهود من المشركين مثلهم ، فان جاء مؤمن ومشرك وجب الحكم كما ذا جاء مؤمنان ، وقيل ذلك في غير أهل الذمة ، وأما الذين كانوا في الذمة يجب الحكم بينهم ، أو وجب الذب عنهم ، فذب بعضهم عن بعض ، وذب عنهم غيرهم .
وليست الآية في أهل الذمة ، والآية محكمة باقية الحكم لخبر: إذا جاءنا يهوديان حكمنا بينهما أو أعرضنا عنهما ، ومثلهما نصراينان وغيرهم من المشركين سواء من كان في الذمة ومن لم يكن ، ومثل هذا عن أحمد والنخعي والشعبى والحسن والزهرى ، وذلك لأنهم ليسوا على دين الله ، ولا حق لهم في أمر الدين ، ولو كانوا ذمة ، وانما علنيا رد الظلم عنهم إذا عاينا الظلم ، وأقامت به النبينة لا نصب الحكم بينهم ، ليذكر كل منهم حجته .