{وَلَو أَنَّا كَتَبنَا عَلَيهِم أَنِ اقتُلُوا أَنفُسَكُم أَوِ اخرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنهُم} : فالقليل ثابت وعمر وابن مسعود وعمار وأبو بكر ونحوهم ، وقد روى مالك أن أبا بكر قال مثلما قال ثابت .
قال ابن رشيد: لا شك أن أبا بكر من القليل المستثنى ، ولا أحق بهذه الصفة منه ، وتفسير القليل منهم بهؤلاء ونحوهم يدل أن الهاء في {كَتَبنَا عَلَيهِم} عائدة الى الأمة بخلاف واو ويؤمنون ، فانه للأمة وللذين يزعمون أنهم آمنوا .
وعن الزبير: لا أحسب أن قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون} الى {تسليما} نزل إلا في وفي حاطب لشأن الشراج الحرة ، وكانت أرض الزبير أولا تلى الوادى ، وبعده أرض حاطب ، فالزبير أولى بالماء حتى يتم السقى ، والشراج: مسيل الماء والمفرد شرجة بإسكان الراء ، والحرة الأرض ذت الحجارة والجدر حائط الأرض ، وكتبنا: فرضنا ، وأن مفسرة لتقدم الجملة التي فيها معنى القول دون حروفه ، وهي كتبنا ، ومن أجل دخول أن المصدرية إلا من أجاز كونها مصدريةن والمصدر مفعونل كتبنا ، أي كتبنا عليهم القتل ، ومعنى اقتلوا أنفسكم: جاهدوا في سبيل الله ، فان الجهاد سبب القتل ، أو ليقتل كل واحد نفسه ، وهذا أولى ، لأن الذي يقل فاعله كما قال إلا قليل ، وانما تخلص من التقاء الساكنين بضم نون وواو ، أو اتباعا للتاء والراء ، وإجراء لهما مجرى همزة الوصل من الأمر المضموم العين ضما لازما ، وفي الواو شبه بواو الجمع في نحو قوله تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم} وقرأ أوب عمرو ، ويعقوب بكسر نون إن وضم الواو ، وقرأ حمزة وعاصم بكسر النون والواو ، والكسر على الأصل في التخلص من التقاء الساكين ، والهاء في فعلوه عائدة الى القتل الماول به اقتلوا ، على أن أن المصدرية ، والمعلوم من اقتلوا على أن مفسرة ، والى الخروج من اخرجوا كذلك ، لأن اخرجوا معطوف على اقتلوا ، وأفردت لتأويلهما بالعود ، أي ما فعلوا القتلن لو كتب عليهم ، ولا الخروج لو أمروا به ، فهذا وجه اعتبارهما معا في الضمير ، مع أن العطف بأو ، ويجوز أن يكون الافراد لمعنى أحدهما ، أي ما فعلوا أحدهما لو أمروا به .
وقرأ ابن عامر: إلا قليلا بالنصب على الاستثناء ، كما يدل عليه قراءة الجمهور بالرفع على الابدال ، من واو فعلوهن فان المراد في الرفع إلا ناس قليل وهم الراسخون في ايمانهم ، بخلاف ما لو جعلنا النصب على المفعولية مطلقةن فان المراد بالقليل حينئذ غير الناسن بل الفعل أي إلا فعلا قليلا ، ومكذا لو جعلناه على الظريفةن فان المراد به الزمانن أي إلا زمانا قليلا ، ولكن هذا لا يصح إلا على أن المراد بالقتل الجهاد .
{وَلَو أَنَّهُم فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ} : من متابعة رسول الله A بالطوع والرغبةن لا بالقهر أو المداراة ، وسمى التكليف وعظا لاقترانه بالوعد والوعيد .
{لَكَانَ} : بجعلهم له .
{خَيرًا} : أفضل مما هو حسن أيضا في زعمهم ، أو كان حسنا أو كان منفعة .
{لَهُم} : في الدنيا والآخرةن ويدل للتفضيل فضل مناسبة قوله:
{وَأَشَدَّ تَثبِتًا} : فان فعلهم ذلك ثبتهمن لأنه يحصل لهم به علم ، وينتفى به عنهم الشك ، أو تثبيتهم عصمتهم من الشيطان ، أو يثبت ثواب أعمالهم ، واذا لم يفعلوا صح لهم تثبيت ثواب عملهم غير تثبيت أشد ، لأنهم يثابون في الدنيا حنيئذ .