{ألم تَروْا كَم أهْلَكْنا قَبْلهم مِنْ قَرنٍ} القرن أهل عصر فيه نبي أو فائق في العلم كان العصر قليلا أو كثيرًا ، فالقرن أهل ذلك العصر لا نفس العصر ، وهو مأخوذ من قرنت الشيء بالشيء ، فأهل العصر اقترنوا بعض ببعض لاحتواء الزمان عليهم ، أو اقترنوا زمانهم ، أو بأمة قبلهم وبعدهم إذ تعاقبوا ، وقيل: القرن عشرة أعوام ، وقيل عشرون ، فهكذا العقود كلها أقوال إلى مائة ، وقيل: مائة وعشرون ، وأطلت الكلام على ذلك في شرح المخمس لأبي نصر رحمهُ الله ، وعلل القول بأنهُ سبعون عامًا لأنها أغلب أعمار الناس ، والقول بأنه مائة بأن رسول الله A قال لبعض الصحابة: « تعيش قرنًا » فعاش مائة سنة ، وهو عبدالله بن بشر المازنى ، وصحح هذا .
والقرن في هذه الأقوال نفس الزمان ، فيقدر مضاف ، أي من أهل قرن ، أو سماهم باسم زمانهم ، سمى الزمان قرنًا لاقترانه بزمان قبله ، وزمان بعده ، أو بأهله ، والقرون المهلكة كقوم نوح ، وقوم عاد ، وثمود ، وكم للتكثير خبرية مفعول مقدم لأهلكنا ، ومن قرن بيان لكم نعت لها ، وجملة أهلكنا مفعول ليروا ، سوغ تسلطه على الجملة تعليقه عن نصب مفردين ، أو مفرد وجملة بالاستفهام وذلك المفعول قائم مقام المفعولين ، إذ الرؤية علمية ، ويجوز أن يكون بصرية لأنها تعلق أيضا ، ومعنى رؤيتهم أنهم أبصروا مساكين المهلكين ، والعلمية أولى .
{مَكَّنَّاهُم في الأرضِ مَا لَم نُمكِّن لَكُم} ثبتناهم في الأرض تثبيتًا لم نثبته لكم ، أو ثبتناهم في الأرض التثبيت الذي لم نثبته لكم ، فالتمكين الأول بمعنى التثبيت المتعدى لمفعول غير المفعول المطلق ، وللمفعول المطلق الذي هو ما الموصولة ، أو الموصوفة الواقعة على التمكين بمعنى ، والثاني متعد إلى مفعول هو ضمير المصدر محذوف على أنه مفعول به رابط الصلة ، أو الفة ، بمنزلة قولك: مكناهم تمكينًا لم نوقعه لكم ، أو التمكين الذي لم نوقعه لكم ، ولا يصح رد جعلها موصولة بأنها لا نقع نعتًا للمعونة ، لأنا إذا جعلناها موصولة لم نجعلها نعتًا للمعرفة ، بل نقول: هي واقعة على التمكين ، وهذا كما تقول في جاء الذي قام إن الذي واقع على الرجل ، وإنما نجعل التمكين منعوتًا إذا عبرنا بالذي ، وذلك من مكن شيء فهو مكين أي متين وقوى .
ويجوز أن يكون مكنَّاهم بمعنى أعطيناهم ، فما مفعول به ثان واقعة على القوى ، والجسمية والأموال والآلات والعدد والعدة أعطيناهم من ذلك ما لم نعطكم ، وعدى نمكن لا ثاني لواحد محذوف ، أي نمكنه وضمن معنى ندفع ، فعدى الآخر باللام أي ما لم ندفعه لكم .
{وأرْسَلنا السَّماء عَليْهِم مِدْرارًا} السماء بمعنى المطر ، سمى سماء لأنه يجئ من جهة السماء ، أو لأنه كان الماء قبل إرساله غالبًا مضلا ، وكل عال مفضل من فوق يسمى سماء ، أو السماء لمعنى السحاب على حذف مضاف ، أي ماء السحاب ، أو السماء لمعنى السماء الدنيا ، أو لمعنى الفلك المحيط ، فإن الماء ينزل من السماء ، أو من الفلك إلى الأرض ، فيقدر مضاف أيضا ، أي ماء السماء أو ماء الفلك ، ونزل نزول بكثرة بنزول السحاب نفسه ، أو السماء نفسها ، أو الفلك نفسه على طريق العرب في المبالغة ، ومدرارًا متتابعًا بكثرة حال ، والسماء صفة مبالغة من الدر بمعنى التتابع ، وذلك من در اللبن درورًا هو دار ، أي كثر ورده على الحالب ، والخطاب في لكم لمشركي قريش على طريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، والغيبة في عليهم لهم أيضا على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، هذا ما ظهر ، وقيل: الخطاب للمؤمنين ، وقيل: لهم وللناس المعاصرين لهم من أي جنس .