{رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ} : لأهل الايمان والطاعة بالجنة .
{وَمُنذِرِينَ} : لأهل الشرك والمعاصى بالنار ، ونصب رسلا على المدح ، أي أعنى رسلا أو أمدح رسلا ، أو ذكرت رسلا ، أو يقدر أرسلنا رسلا ، أو نعت لرسلا الذي قبله ثان ، على أن لم نقصصهم نعت لرسلا ، أو حال من هاء لم نقصصهم ، وهو حال موطيء لمبشرين ومنذرين المرادين بالذات ، كقولك: جاء زيد رجلا صالحا ، فان زيدا معلوم أنه رجل ، وانما ذكر تمهيدا لذكر صلاحه ، أو حال كذلك من ابراهيم وسليمان وما بينهما فقط ، لا مع غيرهم لاتحاد العامل ، وهو أوحينا الثاني .
وفي ذكر التبشير والانذار ترغيب في الايمان ، وترهيب عن الكفر ، واشارة الى أنه قد أرسل رسلا تبشر وتنذر ، وليسوا كلهم تنزل عليهم كتب بمرة ، بل شيئا فشيئا بحسب حاجاتهم وحاجات أقوامهم ، لئلا يفروا من انزال الأحكام والأمور المخالفة لهم بمرة ، ولتجدد حدة قلوبهم إذا كلت لا كما تقترحون ، يا معشر اليهود من نزول الكتاب بمرة ، وانزال التوراة على موسى جملة ، ولا يقدح في نبوة من لم ينزل عليه البتة ، ولا يقدح في نبوة من نزل عليه شيئا فشيئا ، اذ خصه الله بالتكليم ، ولكن قد صح أيضا أن الله كلم سيدنا محمدا A ، وأنه لا فضيلة لرسول أو نبي الا وله A مثلها .
{لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} : بعد ارسال الرسل بالوحي ، فحجة الله على عباده في وجود الله ووحدانيته اجمالا ، العقل بالنظر في بدن صاحبه وأحواله ، وفي سائر الخلق وأحوالهم ، وأما في تفصيل ذلك وسائر الشرائع ، فللرسل ، وقد يقال: العقل وحده حجة في أن للموجودات خالقا موجودا أوجدها لا أول له ولا آخر ، ويعرف أنه الله بهذا الاسم بمنبه كملك ورسول ، هذا تحقيق المقام ، ووما دل على أن حجة الله الرسل قوله تعالى: {فيقولوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا} أيى يعلمنا دينك {فنتبع آياتك} وقوله تعالى: {لقالوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا} وقوله تعالى: {أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم} وغير ذلك مثل قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتى لضربته بالسيف غير مصفح ، فبلغ ذلك رسول الله A فقال: « أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير منى » ومن أجل غيرة الله حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن لا أحد أحب اليه العذر من الله ، من أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين ، ولا أحد أحب اليه المدحة من الله ، ومن أجل ذلك وعد الجنة .
ويروى: ولا شخص أحب اليه العذر من الله ، ومن أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين ، واللام متعلق بأرسلنا محذوفا ، أو تنازع مدخولها مبشرين ومنذرين ، وللناس خبر يكون ، وعلى الله يتعلق بما تعلق به لله على طريق تعدد الخبرن أو يتعلق بقوله: للناس ، أو لمحذوف حال من ضمير حجة في للناس ، ولا يصح أن يكون للناس حال من ضميرها في على الله ، على أن يكون على الله خبر يكون ، فان الفاعل في الحال حينئذ ليس فيه لفظ الفعل ، وهو على ا لله فلا يتقدم عليه الحال على الراجح .