فهرس الكتاب

الصفحة 1228 من 7694

{مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِى هذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : أي ما ينفق الكفار لعداوة رسول الله ، A والمسلمين ، ولوبعده A كأبي سفيان واليهود وغيرهم ، وقيل: نفقة جميع الكفار وصدقاتهم وهو أولى . وقيل: المراد نفقة أبي سفيان بدر وأحد ، وأصحابه . وقيل: نفقة اليهود على علمائهم ، ورؤيائهم ، وقيل: نفقة المرائى الخائف ، وهذا القول ضعيف ، لأنه لم يتقدم ذكر المرائين ، وإنما المراد هنا من أريد في قوله {إن الذين كفروا} لأن الظاهر أن الضمير عائد إلى الذين كفروا فالتعميم فيهما أولى .

{كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} : برد شديد تحرق كلما هبت عليه ، والصرك البرد التنكير للتعظيم ، ولذلك قلت: برد شديد ، وهو مصدر وشاع استعماله بمعنى الريح الباردة ، ولا يصح في الآية إذ لا وجه لقولك كمثل ريح فيها ريح باردة ، اللهم إلا على التجريد البديعى ، وهو مبالغة ، بل وجه استعماله الشائع في الريح الباردة ، أن أصله مطلق البرد ، فوصف به الريح مبالغة حتى أنه يطلق الصر ، ويعلم أنه الريح الباردة ، كأنه قيل ريح صر ، كقولك في المبالغة في عدل زيدك زيد عدل ، ويجوز كونه وصفًا نعت به المصدر مبالغة ، من لفظه كنهار أنهر ، وليلة ليلاء ، وشعر شاعر أي برد بارد .

{أصَابَتْ حَرْثَ قوْمٍ} : أي زرع قومن وهو نباتهم الذي حرثوا له البذر فنبت منه .

{ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم} : بالشرك أو ما دونه من المعاصى .

{فأهْلَكَتهُ} : عقوبن لهم ، ووصف قومًا بأنهم ظلموا ليكون إهلاك حرثهم لأن الإهلاك عن سخط أشد ، فيكون قد شبه ما أنفق هؤلاء بحرث أهلك إهلاكًا شديدًا ، ووجه الشبه عدم الانتفاع ، كما لا نفع في ذلك الحرث لا نفع لهم في إنفاقهم ، لأنه في معصية أو هو رياء ، فلا ثواب ، ولو كان نفع في الدنيا ، في بعض الأحيان ، وذلك من التشبيه المركب ، إذ شبه ما أنفقوه وضياعه ، بلا نفعن وكفرهم الذي هو سبب لضياعه ، والريح التي هي سبب الضياع ، لجامع مطلق عدم الحصول على منفعة ، ولذلك صح أن يلي كمثل لفظ ريح وإلا تلا الحرث ، ويجوز أن يكون تشبيهًا إفراديلً فيقدر مضاف ، أي كمثل مهلك ريح - بفتح اللام من مهلك - وهو الحرث ولما حذف المضاف صح ذكر لفظه في قوله {حرث قوم}

{وَمَا ظَلَمَهُم} : أي ما ظلم المنفقين بعدم إثباتها على ما أنفقوا ، ودلت الآية أن الذنوب سبب الثبات والثمار ، وكذا هي سبب للأمراض قيل: إن مصائب الدنيا كلها للذنوب .

{لله ولكَنْ أنْفُسَهُم يَظُلِمُونَ} : بانفاقهم في المعصية أو بريائهم أو كفرهم ، أو ما ظلم القوم الحارثين بإهلاك حرثهم ، ولكن ظلموا أنفسهم في التسبب في ضياع حرثهم ، لما ذكر عنهم من الظلم في قوله {حَرْثَ قوْم ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم} وهو الشرك ، وما دونه ، وقدم {أنفسهم} على ناصبه للحصر والفاصلة ، وقرئ بتشديد {لكن} فيكون اسمه أنفسهم لضمير الشأن ، إذ لا يحذف ضمير الشأن اسما ، لكن إلا في الضرورة كقول أبي الطيب:

وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ... ولكن من يبصر جفونك يعشق

فإن « من » شرطية لجزم « يبصر » و « يعشق » حتى كسرت القاف ، و « من » الشرطية لها الصدر لا تعمل فيها « لكن » فقدر لها ضمير الشأن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت