{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِم حَرَجًا مِّمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِمُوا تَسلِيمًا} : لا مؤكدة للقسم ، لا نفاية لما نفت لا بعدها خلافا لبعضن فقد اعتيد زيادتها قبل القسم لتأكيد القسمن كما يقال: لا والله قام زيد ، والمراد تأكيد القسم ، وأن زيدا قام لا محالة .
واختار الطبرى انها نافية لما قبل ، أي ليس الأمر كما زعموا أنهم آمنوا بما أنزل اليكم وهم يخالفون حكمك ، ومعنى يحكموك ، يجعلوك حاكما أي يأتوك لتحكيم بينهم راضين بحكمك ، وشجر: اختلف واختلط ، وسمى الشجر شجرا لأن أغصانه تداخلت واختلفت ، ولم يرض الله بتحكيمهم أياه A ، بل شرط أن ترضى قلوبهم بحكمه ، ولا يضيق به بحيث ينسبونه للجور ، ولا مؤاخذة على مايصعب طبعا من الحق إذا عمل به المحكوم عليه ، وعلم أنه الحق والحرج الضيق ، أو هو الشاك ، أي لا يشكوا في أن ما قضيت حق ، ولكن الشك أيضا ضيق ، فان الشاك في ضيق ، وما اسم موصول ، أي مما قضيته ، أو حرف مصدر أي من قضائك ، ومن للتعليل أو سببية أو للآلة ، أو ابتدائية ، أي حرجا متولدًا ، ففى هذا تتعلق بصفة محذوفة كما رأيت ، أو يجدوا ، وفي سائر الأوجه يجوز ذلك ، وتعليقه بحرجان ومعنى التسليم انفاذ ما قضى عليهم به بعد اذعان قلوبهم له ، والآية نزلت في شأن المنافق واليهودى المذكورين عند الشعبى ومجاهد ، ورجحه الطبرى لأنه أنسب بما قبله .
وقالت طائفة: نزلت في حاطب والزبير ، إذ تخاصما عند رسول الله A في شراج من الحرة التي يسقون بها النخل ، فقال: « اسق يا زبير ثم أرسل المال الى جارك » فغضب حاطب ، فقال: لأن كان ابن عمتك ، أي حكمت بذلك ، لأن كان ابن عمتك ، مأى لكونه ابن عمتك ، فتغير وجه الرسول A ثم قال: « اسق يا زبير ثم احبس املاء حتى يرجع الى جدر واستوف حقك ثم أرسله الى جارك » .
قلت: الحكم اما غرم واما صلح ، فقدم الصلح لأجل أن يتألفا أمر الزبير به أمرا فريضه ، فما لم يقبله حاطب مع أنه مصلحة له ، لم يبق الا الحكم العزم ، إذ لا يتركهما بلا حكم ، فحكم بذلك الذي ذكره آخر الأجل ، ذلك الذي قررت لا لغضبه ، كذا ظهر لي .
والذي ذكره آخر هو أنه استوعب للزبير حقه ، ثم مرا على رجل من اليهود ومعهم رجال من المسلمين ، فقالك قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ، ثم يتهمونه في قضاء يقضى بينهم ، وأيم الله لقد أذنبنا مرة في حياة موسى ، فدعانا الى التوبة منه وقال: اقتلوا أنفسكم ، ففعلنا ، فبلغ قتلانا سبيعن ألفا في طاعة ربنا ، حتى رضى عنا ، فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم منى الصدقن ولو أمرنى محمد أن أقتل نفسي لقتلتها ، وروى أنه قال ذلكك ثابت وابن مسعود وعمار ابن ياسر ، فقال رسول الله A: