فهرس الكتاب

الصفحة 1030 من 7694

{لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَها} : ضاقت الصحابة ذرعا بما يخطر في بالهم من الوسوسة في صف الله سبحانه وتعالى ، ومن الاتهام بالمعاصى ، فنزل هذا في أنه تعالى لا يؤاخذهم بمجرد الخاطر ، لأنه كتب لهم فيه ولا رضى ، فهذا مع قوله: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} ، من كلام الله معترض بينما قال المؤمنون ، قال ابن عباس: وأكثر المفسرين نسخ ذلك حديث السنن لما نزل: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} عج المؤمنون ، وقالوا يا رسول نتوب من عمل اليد والرجل والسان فكيف نتوب من الوسوسة ، وحديث النفس ، فنزلت: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} ، قلت ونزل معه فيما أظن قوله تعالى:

{لهَا مَا كَسبَتْ} : من خير .

{وَعَليْها ما اكْتَسَبَتْ} : من شر ، لأن معناه لا مؤاخذة بالوسوسة ، لأنه ليس كسبا لها وإنما يجازى بما اكسب أو اكتسب غيره ، أو اكتسابه إلا أن في تسمية ذلك نسخا بحثا تقدم ، والوسع الطاقة ، والمعنى لا يكلف الله نفسا بما لا يدخل تحت قدرتها: ولا يكلف الله نفسا بما يتوقف فصوله على صرف تمام قدرته ، وإنما يكلف بما يقدر على ما هو أشق منه ، ألا ترى أنهم يطيقون على صوم شهر ويوم أو شهر ويومين وأكر ، وعلى صلاة أكثر من خمس الصلوات ، وعل أكثر من خمسة دراهم ، وهكذا ومثل الوسوسة في ذلك ما يفعلى بلا عمل فإن التكليف على الخطأ والنسيان تكليف بما يخرج عن وسع النفس لما طلبوا المغفرة ، قال لهم الله تعالى: هي لكم ، وأما ما لا عمد لكم فيه ولا اختيار فليس مما كلفتم به ، فليس من ذنوبكم . ويجوز أن يكون: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} إلى آخره من كلام المؤمنين ، لأن ما قبلهُ وما بعده منهم ، أي وقالوا: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، ولك ألا تقدر القول ، كأنهم قالوا: كيف لا نسمع ولا نطيع والله لا يكلف إلا طاقتنا ، وأعلم أن التكليف بالمحال غير واقع من الله وغير جائز عليه ، لأنه يستلزم من الظلم ، {وما ربك بظلاَّم للعبيد} ، والقول بجواز مالا يجوز على الله مع عدم وقوعهه ، والقول بوقوعه سواء في الكفر والمنع ، فالآية ولو لمتكن نصافى منع ذلك لأنها مجرد إخبار أبانه لم يقع ، لكن انتفاء الظلم عنه تعالى يوجب أن تكليف ما فوق الطاقة غير جائز كما أنه غير واقع ، وكما حملنا {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون} على الوجوب ، مع أن اللفظ غخبار لقرينة وجوب الإيمان ، وأما أن يخلق الله للإنسان أو غيره ما يطبق به على عمل شيء ، وقد سبق القضاء ألا يعمله ، فليس تكليفا بالمحال ، لأنه امتنع باختياره لا بالجبر ، وقرأ ابن أبي عبلة: وسعها بفتح الواو ، وإنما نستعمل في الكسب الخير والاكتسباب في الشر ، لأن النفس مائلة إلى الشر فهي في تحصيله مجتهدى ، فناسب فيه لفظ اكتسبت لدلالته على العلاج ، وبخلاف الخير فليس مائلة إليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت