{كالَّذينَ مِن قَبْلكُم} خبر لمحذوف أي أنتم مثل الذين ، أو ثابتون كالذين ، أو مفعول لمحذوف أي فعلهم مثل ما فعل الذين ، أو نعت لمفعول محذوف ، أي فعلا ثابتا كفعل الذين ، أو متعلق بوعد أو مفعول مطلق له ، أي وعدا ثابتا كوعد الذين ، أو وعدا مثل وعد الذين ، وفي الثلاثة ضعف والخطاب للمنافقين على طريق الالتفات ، أو على تقدير القول ، أي قل لهم: أنتم كالذين من قبلكم ، وقيل: الخطاب لهم وللمشركين .
{كانُوا أشدَّ منكُم قوةً وأكْثَر أموالًا وأولادًا} قيل: بيان للتشبيه ، والواضح أن التشبيه في الأمر بالمنكر وما بعده ، وعلى الأول فالمراد التشبيه في جمع الدنيا ، والإعراض عن الآخرة ، فكان هذا بيانا له ، وعلى الثاني فالمراد بيان أن من قبلهم كانوا بهذه الصفة مدة ولم تدفع عنهم موتا ، بل ماتوا إلى عذاب مقيم فكذلك أنتم .
{فاسْتَمتَعُوا} انتفعوا {بخَلاقِهِم} نصيبهم من ملاذ الدنيا ، معرضين عن الآخرة ، وهو من الخلق بمعنى التقدير ، فهو ما قدر لصاحبه ، وقيل: أصله من قولك فلان خليق بكذا {فاسْتَمتعتُم بخَلاقِكُم كما اسْتَمتعَ الَّذينَ مِنْ قَبْلكُم بخَلاقِهِم} أي اتبعتم آثارهم في الاستماع ، وقد علمتم ما صاروا إليه من العاقبة ، فستصيرون إلى مثل ما صاروا إليه ، وفائدة قوله: {كما استمتع الذين من قبلكم} مع غنى قوله: {فاستمتعوا بخلاقهم} عنه ربط فعلهم بفعل من مضى قبله بالتشبيه ، ليترتب عليه ما ترتب على فعل هؤلاء الماضين ، هذا ما ظهر لي بفضل الله ، وقيل: فائدة التمهيد لذنب المخاطبين بمشابهة هؤلاء كقولك: أنت مثل فرعون ، كان يقتل بغير حق ، ويعذب بغير جرم ، فأنت تفعل مثل ما فعل ، قيل: فالتكرير للتأكيد وتقبيح فعلهم وفعل من شابههم .
{وخُضْتم كالَّذى خاضُوا} الذي اسم موصول واقع على الخوض ، والرابط ضمير محذوف يعرب مفعولان مطلقا أي كالخوض الذي خاضوه ، أي خوضا ثابتا كالخوض الذي خاضوه ، أو خوضا مثل الخوض الذي خاضوه ، أو الذي واقع على الفريق ونحوه ، أي كالفريق الذي خاضوا ، روعى لفظ المنعوت في الذي ، ومعناه في الصلة ، أو المراد بالذي الجنس لا ما قيل: إن الأصل الذي فحذفت النون على لغة ، ولا كما قال الأخفش: إن الذي موصول مشترك ، ولا كما قيل: إن الذي موصول حرفى هنا ، أي وخضتم كخوضهم .
{أولئكَ حَبِطَت أعْمالُهم في الدُّنيا والآخِرة} بطلت ولم يكن لها ثواب ، والإشارة إلى الماضين الموصوفين بالشدة ، فأنتم كذلك تحبط أعمالكم ، أو إليهم وإلى المنافقين والمشركين المعاصرين لسيدنا محمد A ، وقيل: الخطاب في: استمتعتم وخضتم لمشركي قريش دون المنافقين ، والإشارة لكل مشرك ومنافق ، ومعنى حبطت أعمالهم أن أعمالهم باطلة ليست مما يعتد به ، ويثاب عليه ، لأنها معاص ، أو إنَّ ما عملوه من أعمال حسنة لا تنفعهم في الدنيا بأن لا تقيهم من قتل وسبى ، ولا في الآخرة ، وهذا الوجه الثاني ، على أن الإشارة للمشركين انتهى .
إن المنافقين أيضا لا ينتفعون بأعمالهم في الدنيا لما يصيبهم من المقت والغمص عليهم {وأولئكَ هُم الخاسِرونَ} دنيا وأخرى .