{وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا} : مما يتعلق بمحذوف حال من حلال ، ولو كان نكرة لوصفه بطيبًا ، ولتقدم الحال عليه ، ومن للتبعيض ، فان الرزق أعم من الحلال على الصحيح وهو مذهبنا ، فان الرزق اسم لما ينتفع به مالكه أو متملكه حلالا أو حرامًا ، أو يتعلق بكلوا فتكون للبتداء ، وحلالا مفعول لكلوا ، ويجوز أن يكون من للابتداء متعلقًا بكلوا كذلك ، وحلالا حال من أو من العابد المحذوف ، أي مما رزقكموه الله ، ولا مفعول لكلوا ، أي تقولوا مما رزقكم الله ، أو حلالا مفعول مطلق ، أي أكلا حلالا طيبًا الا أن المتبادر وصف المأكول بالحلال الطيب لا الآكل .
والمعتزلة لا يسمون الحرام رزقًا ، وكان A بأكل الدجاج والفالوذج ، وكان يعجبه الحلواء والعسل ، وقال: « إن المؤمن حلو يحب الحلاوة » والفالوذج طعام من خالص البر والعسل والسمن ، وقال رجل لابن مسعود: انى حرمت الفراش ، فتلا هذه الآية وقال: نم على فراشك ، وكفر عن يمينك . ودعى الحسن الى طعام ومعه فرقد وأصحابه فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذج وغير ذلك ، فاعتزل وقعد ناحية فسأل الحسن أهو صائم؟ قالوا: لا ، ولكنه يكره هذه الألوان ، فأقبل الحسن عليه وقال: يا فريقد أترى لعاب النحل بلعاب البر بخالص السمن يعيبه مسلم .
وقيل للحسن: فلان لا يأكل الفالوذج ويقول: لا يؤدي شكره ، قال: أفيشرب الماء البارد؟ قالوا: نعم . قال: انه جاهل ، إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته في الفالوذج وقال: إن الله تعالى أدب عباده فأحسن أدبهم ، وقال: {لينفق ذو سعة من سعته} ما عاب الله قومًا وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا ، ولا عذر قومًا زواها عنهم أي أبعدها فعصوا ، كان A يأكل لذيذًا إذا وجده ولا يتكلفه ويعنيه ما تيسر ن وكان يحب من الشاة الذراع ، ويجعل اليه ، لأنه أسرع نضجًا ، ولا يجد اللحم الا عبًا .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أن رجلا أتى النبي A وقال: يا رسول الله انى أحببت اللحم انتشرت للنساء وأخذتنى شهوتى ، فحرمت على اللحم ، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين 0 وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبًا} {وَاتَقُوا اللهَ الَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} : هذا تأكيدا لقوله تعالى: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا} أي اتقوا عقاب الله في تعدى الحلال الى الحرام ، وقال: {الَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} لأن الايمان الحقيقى يزجر عن مقارفة الحرام .