{وما كانَ اللهُ ليعذِّبهمْ} هذه اللام مؤكدة للنفى قبلها ، ودالة على أن هذا العذاب استئصال ، قال أبو زيد: سمعت من العرب من يقول: ما كان الله ليعذبهم بفتح اللام وهي لغة غير معروفة ولا مستعملة في القرآن {وأنْتَ فيهِم} إذ من عادة أمر الله وحكمته أن لا يعذب قوما عذاب استئصال ونبيهم أو مؤمنوهم بين أظهرهم على ما مر ، وفي ذلك تنبيه على أنهم أحقاء بعذاب الاستئصال لو لم يكن فيهم ، وهذا وما بعده إلى آخر الآية نزل بمكة ، وقيل: بالمدينة بعد وقعة بدر حكاية لما مضى ، وقيل: نزل هذا بمكة إثر قولهم: {أو ائتنا بعذاب أليم} ونزل قوله:
{وما كانَ اللهُ مُعذِّبهم وهُم يسْتغفِرُونَ} في طريقه إلى المدينة عند الهجرة ، فهي مدينة ، فإن المدنى ما نزل بعد الهجرة في أي مكان ، والمكى ما نزل قبلها كذلك ، وهذه إشارة إلى أن سبب إمهالهم ، وعدم إجابة دعائهم على أنفسهم بإمطار الحجارة ، أو بعذاب غيره هو استغفار لهم ، ولولاه ما أثبت النبي A فيهم ، بل يخرجه فيعذبهم ، وكانوا يقولون: غفرانك اللهم ، وكانوا يقولون بعد الفراغ من الطواف: غفرانك غفرانك ، ويقولون: لبيك لا شريك لك ، وقيل لما أمسوا ندموا على قولهم: {اللهم إن كان هذا هو الحق} فقالوا: غفرانك اللهم .
وقال الضحاك: المستغفرون هم بقية المؤمنين فيهم بعد خروجه ، حكم عليهم بالاستغفار ، لأن فيهم من يستغفروهم بقية المؤمنين المستضعفة ، وأن ذلك نزل في مكة ، وقيل عن الضحاك ، وابن عباس ، وأبي مالك: إن الضمير في قوله: {وهم يستغفرون} لهؤلاء المؤمنين الباقين بمكة ، دليل ضعيف بالسياق السابق واللاحق ، وبوجود الاستغفار من الكفر ، وذكر أيضا عن ابن عباس ما ذكرته أولا ، وذكر عنه ، وعن مجاهد ما كان الله ليستأصلهم بالعذاب ، وفيهم من سيسلم فيستغفر .
فهذا الاستغفار من لوازم الإسلام ومسبباته ، حتى أن بعضا فسر هذا الاستغفار بالإسلام ، وفسره بعضهم بالصلاة ، فلوجود من سيسلم فيهم حكم عليهم بالاستغفار من باب الحكم على المجموع ، وبه قال الزجاج ، وفيهم أبو سفيان ، وصفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسهيل بن عمرو ، وحكيم بن حزام ، وعن مجاهد: المستغفرون ذرية بعضهم ، ونسب الاستغفار إليهم ، لأن ذريتهم منهم ، وعنه وعن عكرمة مولى ابن عباس ، وعن قتادة لا أعذبهم وهم مستغفرون ، أما إذا كانوا غير مستغفرين فسأعذبهم لأنهم غير مؤمنين ، فضلا عن أن يستغفروا وهو قريب من قول بعضهم: إن ذلك جلب لهم إلى الإيمان ، أي أطيعوا حتى لا أعذبكم ، كقولك لعبدك: لا أعذبك وأنت تطيعني ، تريد منه أن يطيعك فينجو من عذابك ، ويحتمله قوله تعالى: {وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون .} وعلى كل حال فجملة {وهم يستغفرون} حال ، وهي حال مقدرة على القول بأن المعنى سيسلم بعضهم ، و القول بأن المعنى تستخرج منهم ذرية مسلمة ، وفي الحديث عن ابن عباس ، وأبي موسى الأشعرى: « أن الله أنزل علىَّ أمانين لأمتى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة » قيل: ما من أمة فيها خمسة عشر رجلا من المسلمين يستغفرون إلا رحم الله تلك الأمة .