{يَا أَبَتِ إنِّى قَدْ جَاءَنِى مِنَ الْعِلْمِ} بالله .
وقيل: من النبوة {مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِى} على دينى {أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} مستقيما ، يوصلك إلى خير دائم ، وينجيك من عذاب مؤلم .
ثم أكد ذلك بنصيحة أخرى زاجرة له عما هو فيه فقال: {يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} أي لا تطعه .
ويا أبت: دعاء ثالث لأبيه وزجر عما هو فيه؛ فإن عبادة الأصنام مع خلوها عن نفع مستلزمة للضر؛ فإنها عبادة للشيطان ، لحبه إياها وأمره بها . وبيَّن الضرَّ بأن الشيطان مستعص على ربك المولى بالنعم كلها كما قال:
{إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ للِرَّحْمَنِ عَصِيًّا} كثير العصيان ، ومطيع العاصى المحارب عاص محارب ، مع أن الشيطان هو عدوك الذي لا يريد بك إلا كل هلاك وخزى ، وعدو أبيك آدم .
لكن إبراهيم عليه السلام لإمعانه في الإخلاص ، وارتقاء همته في الربانية ، لم يذكر هذه الجناية ، أعنى الجناية بالمخلوق ، وذكر الجناية برب العزة ، وهي عصيانه ، كأن نزره في عِظم ما ارتُكب في جنب الله غمر فكره ، وانطلق على ذهنه ، مع أن هذه الجنابة شاملة للجناية في جنب المخلوق واصل لها . والشيطان الذي استعطى على ربك هو الذي ورطك في الضلالة ، ليغضب عليك ربك ، وينتقم ، ويزيل عنك النعم . كما قال:
{يَا أَبَتِ إنِّى} وسكن الياء غير الحرميين وأبي بكر {أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ} يصيبك {عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ للِشَّيْطَانِ وَلِيًّا} قرينًا في اللعن أو العذاب في النار ، تليه أو يليك أو ثابتًا موالاة؛ فإن كونه من أشياع الشيطان أكبر من العذاب ، كما أن رضوان الله أكبر من الثواب .
استهجن إبراهيم عليه السلام على أبيه عبادة الأصنام ، وزجَره عنها ، وخوَّفه سوء العاقبة بألطف وجه ، حيث عبَّر بقوله: يا أبت وكرره . وذلك دليل على شدة الحب ، والرغبة في صرفه عن العقاب ، وحيث لم يصرح بأن العذاب لا حقٌ له ، بل عبَّر بالخوف ، وحيث عبَّر بالمس الذي هو في العذاب بحسب الظاهر كالذوق في الأكل ، وحيث عبَّر بعذاب نكرة كأنه قال بضع العذاب ، وغير ذلك مما مر ، كالتعبير بولاية الشيطان .
والخوف بمعنى العلم قاله الطبرى . أو على ظاهره ، أي إن أصررت على الكفر دخلت النار . وإلا فالجنة . كأنه قال: إني أخاف أن تموت على كفرك فتدخل النار .
ورجَّحه بعض وقال: إنه في وقت المقالة جاهل للعاقبة لم يكن آيسًا من إيمانه . الرفق واجب على كل أحد في مقام الرفق ، ولا سيما مَن هو نبي ، ولا سيما مع الأب .