{وإذْ يمكُر بكَ الَّذينَ كفَرُوا} واذكر إذ يمكرون بك ، وزعم بعض أن إذ معطوفة على إذ في قوله: {واذكروا إذ أنتم قليل} وهو سهو ، لأنه لم يقل: وإذ يمكر بك ، وأصل المكر الخديعة والضر في الحقيقة ، وعن ابن فورك أصله المدافعة على جهة اللعب حتى يوقع في حفرة ، والمضارع حكاية للحال الماضية بجعلها كأنها حاضرة ، وذلك أن قريشا أرادوا مكره وشرعوا فيه ، وذلك في مكة ، فنجاه الله ، فذكره ذلك ليشكر .
{ليُثْبتوكَ} يحبسوك عن الذهاب والتصرف ، بالإيثاق بحبل أو حديد ، أو في بيت مغلق ، وبه قال السدى ، وعطاء ، وابن أبي كثير ، أو بكثرة الضرب والجرح به ، قاله أبو حاتم ، وبالأول قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقد قرأ ابن عباس: ليقيدوك أي يوثقوك ، وقيل: ليسخروك ، قرأ يحيى بن وثاب بفتح الثاء وتشديد التاء حكاه الإمام أبو عمرو الدانى ، وحكاه عنه النقاش ليبيتوك من البيات ، وقيل: هذه ومعناه قريب من معنى قوله:
{أو يقْتلُوك} لكن التبييت القتل ليلا {أو يخْرجُوكَ} من مكة {ويمْكُرونَ} يتعاطون ضره خفية {ويمْكُر اللهُ} أي يجازيهم على مكرهم ، وسمى الجزاء باسم الذنب ، أو يرد مكرهم عليهم ، أو يعامله معاملة الماكر ، وقد قلد المسلمين في أعينهم حتى اغتروا بقتلهم ، فكانت الوقعة عليهم ، وذلك في أمر بدر ، ولا يوصف الله بالمكر إلا مقابلة مكر ، لأنه يوهم الذم ، وذلك وقوف مع الوارد في صفة الله ، ولم يرد وصف المكر إلا ممع ذكر مكر الإنسان ، وأجيز وصفه به مطلقا استعارة ، كقول على: من وسع عليه في الدنيا ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع .
{واللهُ خَيرُ الماكرين} أي أعظمهم مكرا ، أو زعموا أن في مكرهم منفعة فأخبر الله أن مكرى أنفع ، أو خرج خبر عن التفصيل أي في مكر الله من بين مكر الماكرين نفع ، وحكم وعدل ، والآية مدنية بذكير بما وقع بمكة ، عكرمة ، ومجاهد: أنها مكية ، وعن ابن زيد: أنها نزلت عقب كفاية المستهزئين .
قيل: ولعل معنى كونها مكية أن القصة مكية ، وذاك أنه لما سمعت قريش بإسلام الأنصار ومبايعتهم علموا أن رسول الله A وأصحابه يجدون منعة ، ويتفاخم أمرهم ، ويجمعون لحربهم ، وخافوا ذلك ، وذلك بعد موت أبي طالب ، فاجتمعوا في دار الندوة وهي دار قصى بن كلاب ، وكانوا لا يقضون أمرا إلا فيها ، وكانت للمشاورة في الحرب وغيرها لا للسكنى ، والندوة الاجتماع ، وحضر فيها رؤسائهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهل ، وأبو سفيان ، والمطعم بن عدى ، والنظر بن الحارث ، وأبو البخترى بن هشام ، وزمعة بن الأسود ، وحكيم بن حزام ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وأمية بن خلف ، واعترضهم إبليس في صورة شيخ فقالوا: من أنت؟ قال: أنا شيخ من نجد ، سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ، ولن نعدموا منى رأيا ونصحا ، فقالوا: ادخل ، فدخل .