{فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبعَة أشْهرٍ} هذا خطاب للمشركين أن يسيروا في الأرض حيث شاءوا ، آمنين أن يضرهم أحد من المسلمين ما لم تتم أربعة أشهر ، ويتفكروا فيها ويختاروا ، فإنه ليس بعدها إلا الإسلام أو القتل ، وذلك إعلان لهم خروج عن الغدر ، وابتداء الأجل المذكور يوم الحج الأكبر والنقضائه تمام عشرة من ربيع الآخر ، ومن كان له عهد قد رفع إلى هذا وأكثر ، حط إلى هذا أو لا عهد له فهذا عهد قاله السدى .
قال: وذلك هو الأشهر الحرم استعير لها هذا الاسم لهذه الحرمة ، والأمن الخاص أو للتغليب ، لأن ذا الحجة والمحرم منها ، وفي أول ذلك الأجل نزلت الآية ، ونسبه بعضهم للأثكر ، وقال ابن عباس ، والزهرى: الأشهر الأربعة: شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، وأن الآية نزلت في شوال ، وقيل: الحادى عشر من ذى القعدة إلى عشرين من ربيع الأول ، لأن الحج في تلك السنة ، كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم ، ثم صار في السنة بعدها في ذى الحجة ، واستمر فيها ، وفي هذه حج A وقال: « ألا إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلقه الله » .
وقيل: كان ابتداؤها في العاشر من ذى القعدة ، وانقضاؤها في العاشر من ربيع الأول ، والحج في تلك السنة في ذلك الوقت ، وقيل أجل لمن له عهد أربعة أشهر من شوال ، وأجل سائر المشركين خمسون يوما من يوم الأذان ، واعترض بأن الأجل لا يلزم إلا من يوم سمع ، ويحتمل أن البراءة كانت سمعت من أول شوال ، وكرر إشهارها مع الأذان يوم الحج كذا قيل .
وقال الضحاك: هذه الأربعة من يوم الأذان لانقضاء العشر الأول من ربيع الأخير لمن له عهد تحسس بنقضه ، وقوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} إلى آخره فيمن لا عهد له ، فوافق أجل تأمينهم خمسين يوما ، أولها يوم الأذان ، وآخرها انقضاء المحرم ، وقوله: {الذين عاهدتم} فيمن له عهد لم ينقضه ، وهم بنو ضمرة ، وكنانة ، وقيل: عاهد لضمرة المخش بن خويلد ، وبقى من عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر . وقيل أربعة الأشهر لمن لا عهد له ، أو له عهد دونها ، أو على تمامها ، وأما من له عهد أكثر فإنه يوفي له {فأتموا لهم عهدهم إلى مدتهم} وقال مجاهد: نزلت في أهل مكة ، عاهدهم رسول الله A عام الحديبية أن يضعوا الحرب عشر سنين ، ودخلت خزاعة في عهده ، بعث بعده عليا راكبا على العضباء ، وهي ناقته A ، والغضبا وبنو بكر في عهد قريش ، فنكثوا كما يأتي إن شاء الله في سورة النصر أو الفتح ، وكان فتح مكة سنة ثمانٍ ، وأمَّر عليهم عتاب بن أسيد حديث السن .