{قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ} لا أجازيك ولا أصيبك بمكروه . وذلك أنه لم يؤمر بقتاله ، وفي ذلك توديع ومتاركة ومقابلة السيئة بالحسنة ، وخطابُ حليم لسفيه ، كقوله D: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين} {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} وفيه دليل الهجران والمفارقة .
وقيل: ذلك سلام تحية .
والجمهور الآن على منع ابتدائك الكافر بالسلام .
ويجوز أن يكون تحية كما قال غير الجمهور؛ فإن الدعاء بالسلام ليس بأشد من الاستغفار الذي وعده ووفي به ، وقصده بالتحية استمالة قلبه .
{سأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّى} سأسأل ربي أن يوفقك للتوبة والإيمان فتنال المغفرة وذلك حين أعياه أمره . وقد وفي بوعده بقوله المذكور في الشعراء: {واغفر لأبي} وهذا قبل أن يَبِين لإبراهيم بالوحي ، أو بالموت على الكفر أنه عدو الله .
وفي الآية دليل على جواز الدعاء بالتوبة ، والهداية للكافر ما لم يمت على الكفر ، أو ينزل فيه النص على أنه شقى . والمشهور المنع .
وأما أن يقال: اللهم اغفر ذنوب فلان الكافر فلا يجوز .
قيل: إلا على شريطة التوبة عن الكفر ، وذلك ولاية الشرطية ، وهي وبراءة الشريطة غير جائزتين عندنا ، وهالك من عمل بهما الآن ، وأجازهما بعض أصحابنا المشارقة .
وقد حمل بعضهم الآية على استغفاره لذنوب أبيه مشترطا لتوبته ، كما ترد الأوامر والنواهى على الكفار . والمراد اشتراط الإيمان وكما يؤمر المحدِث بالصلاة ويراد اشتراط الوضوء ويؤمر الفقير بالزكاة ويراه اشتراط النصاب .
وقيل: وعده بالاستغفار ووفي؛ لأن عقله يمنع من ذلك . وهذا إيماء إلى أن الأشياء قبل ورود الشرع فيها على الحل ، إلا ما يكون فِعله من مَناكر الأخلاق ، وفِعله من محاسنها .
ولما ورد الشرع بامتناع الاستغار للكافر امتنع قال عز وعلا: {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك} فلو كان إبراهيم قبل شارطا للإيمان لم يكن مستنكَرًا ومستثنىً عما وجهت فيه الأسوة .
{إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا} الباء متعلق بما بعدها . والحفى: البار .
وقيل: البايع في البر والألطاف .
وعن الكلبى - الحفى: الرحيم .
وقيل: اللطيف .
وقيل: ذو المنزلة ، أي هو بى حفى فيجيب دعائى ولا يرده ، وقد عودنى الإجابة .
وفي ذلك شكر من إبراهيم عليه السلام لنعم الله تعالى .