{قَالَ فَإِنهَا} : أي الأرض المقدسة .
{مُحَرَّمَةٌ عَليْهِم} : ممنوعة عنهمن لا يدخلونها ولا يسكنونها غير عبدى يوشع وعبدى كالب .
{أَربَعِينَ سَنَة} : أربعين ظرف زمان متعلق بمحرمة ، وبعد الأربعين يدخلها من حيى منهم ممن ولدوا في أرض التيه ، وممن دخل التيه دون عشرين سنة منه عرمه ، وباقيهم أميتهم في التيه ، وقيل: حيى بعض الباقى فدخلوها وهو الظاهر المتبادر أنها لهم بعد الأربعين ، وقيل: لم يدخلها أحد ممن قال: انا لن ندخلها ، بل ما توفي التيه بعد قتل الجبارين أولادهم ، فقيل: هم أربعين سنة يرحلون عند الصبح الى مصر ، فيمسوا في موضع رحلوا منه ، وقيل: لما أيسو تركوا الرحيل ، وذلك نقمة عليهم ، ونعمة وراحة على موسى وهارون ويوشع وكالب .
وقيل: إن الله حرمها عليهم تعبدًا لا منعًا ، وهذا بعيد لأنه لو كان ذلك لعصوا وخرجوا ، وأيضًا لفظ يتيهون يضعف هذا ، وقيل: أربعين متعلق بيتيهون بعده ، فيكون التحريم مطلقًا غير مقيد بمدة على هذا ، فهي محرمة أبدًا عليهم في هذا القول الى الموت ، فماتوا كلهم في التيه ، فلم يدخلها الا من ولد في التيه أو دخل التيه غير بالغ الحلم ، والأصل تعلق أربعين بمحرمة ، لأن فيه عدم التقديم ، واذا علق بمحرمة كان التيه مطلقًا فيصدق بأنهم تاهوا حتى أيسوا من اهتداء الطريق الى مصر فتركوا الرحيل ، والأظهر أن يعلق بأحدهما فبقدر مثله للآخر .
روى أنهم دخلوها بعد الأربعين ، وهو يقوى تعليقه بمحرمة ، ومن بقى منهم فتحوها مع موسى فتح أريحا ، وأقام فيها ثم مات ، وقيل: قبض في التيه وأوصى يوشع بقتال الجبارين ، وصحح الأول لاشتهار أن موسى قتل عوجًا ، فهو الذي قاتل الجبارين ، وجعل يوشع على مقدمته ، واختلفوا: هل كان موسى يخرج من التيه وهارون حيث شاءا؟
أول أما أن يقال لم يدخلاه لقوله: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} فلا يصح لأنه بلا شك يضرب لهم الحجر للماء .
{يَتِيهُونَ فِى الأَرضِ} : يمشرون فيها على طريق متحيرين لا يدرون الطريق ، قيل: أربعين سنة في ستة فراسخ ، يسيرون من الصباح الى المساء ، فإذا هم في موضع الرحلة ، وهم ستمائة ألف فارس ، ولكل مائة ألف فرسخ مسيرة نصف يوم ، وقيل: ستة فراسخ عرضًا ، واثنا عشر طولا ، وقيل: تسعة عرضًا وثلاثون طولا ، ولم يصب من ذلك تعب ولا مشقة موسى وهارون ويوشع وكالب ، بل راحة ولهم زيادة درجات كما أعان ابراهيم على النار ، وجعلها بردًا وسلامً ، وزاد له درجات .
وفي بعض القول: مات فيه هارون ، ثم بعده موسى بسنة ، وقيل: ماتا خارجًا ، وقيل: مات موسى ودخل يوشع بعده أريحا بثلاثة أشهر ، أما إذا قيل: إن التحريم تعبد ، وأنهم يعرفون الطريق فلا اشكال في حصر المفازة لهم وهو ضعيف كما مر ، الا أن يقال: انهم بعدما يعصون ويعاندون ينقادون ، وأما إذا قلنا انهم لا يجدون الطريق فذلك خرق عادة من الله ، ولولا ذلك لاتبعوا كوكبًا أو الشمس والقمر ، فيتصلون بالطريق أو بقرية ، ويخرجون ، ويمكن أن الله D ستر عنهم الشمس والقمر والنجوم كما قال الله تعالى: