{هُو الَّذِى خَلقكُم مِن طِينٍ} بخلق أبيكم آدم منه ، وعن ما ظهر لي بلفظه ومعناه ، والله الذي لا إله إلا هو ، ثم رأيت السيوطى ذكره ولم يتقدم لي فيه مطالعة ، ولأن المأكول نبت من الطين ، وما لم ينبت منه كاللحم غير الحوت فغذاؤه يكون مما نبت ، واللبن أيضا مما غذاؤه مما ينبت من الطين ، والنطفة تتولد من الغذاء ، أو يقدر مضاف أي خلق أباكم من طين .
{ثُمَّ قَضَى} : كت {أجلًا} أجل الموت ، بأن أمر ملك الأرحام عند وقوع النطفة التي يتولد بها الإنسان أن يكتب أجله كما كتبهُ الله قبل ذلك ، وسبق علمه الأزلى به لا إله إلا الله .
{وأجل مُسمًّى} محدود معين عنده تعالى {عنده} وهو المدة بين موته وبعثه ، كذا ظهر لي ، ثم رأيته كذلك للحسن وقتادة والضحاك وابن عباس ، وروى عنه أنه قال: لكل أحد أجلان أجل إلى الموت ، وأجل من الموت إلى البعث ، فإن كان الرجل يرى تقيًا وصولا بالرحمن زيد لهُ من أجل البعث في أجل العمر ، وإن كان فاجرًا قاطعًا للرحم نقص من أجل العمر وزيد في أحد البعث ، بمعنى قضى لهُ في الأزل بأن يطول عمره أو يقصر كذا ، وقيل: الأجل الأول نفس الوقت الذي يموت فيه ، والثاني نفس وقت قيام الساعة ، فإن الأجل يطلق على الجملة ، ويطلق على الجزء الأخير ، ويطلق على الجزء الأول .
وقيل: الأول بمن مضى ، والثاني لمن حضر في الوجود ، ولمن يأتي ، وخص الثاني بكونه مسمى عنده ، لأن من مضى قد علم أجله بخلاف غيره فإنه لا يدرى إلا الله قدر حياته حتى يموت ، ولا مدخل لغيره فيه بعلم ، وقال ابن عباس وابن عطاء: الأول للنوم ، والثاني للموت ، وخص بمسمى لذلك ، وبقى لي الكلام على ثم ، والخطاب في خلقكم فأقول والله أعلم: الخطاب لمن في زمان رسول الله A حين نزلت الآية ، فثم للترتيب في الإسناد على أصلها ، ويقاس من مضى ومن يأتي بهم وهو ظاهر على ما فسرت به الأجلين .
وأما على باقى الأقوال فلعلها للترتيب الذكري ، وأجل مبتدأ ، ومسمى نعته ، وعند خبر ، وقدم المبتدأ لأنه المقصود بيانه لتعظيمه ، وكذلك نكر ووصف بأنه مسمى لا يقبل النقص والزيادة ، ولما لم يكن الأجل كذلك لم يستأنف به ، بل جعل مفعولا لقضى ، وقيل: الأجلان واحد ، ولو كانا نكرتين معًا ، وذلك تعظيم ، والأصل أن يكون كل منهما غير الآخر فتنكيرهما ، وكذا لو نكر الثاني وعرف الأول .
{ثمَّ أنتم تَمتَرُون} تشكون في البعث ، وثم لاستبعاد الشك في البعث بعد أن صح أن الله جل جلاله خالقهم وخالق أصولهم ومحييهم إلى آجالهم ، فالبعث وألخلق الأول سواء شرعًا وعقلا صحيحا ، ولبادئ الرأى يكون البعث أسهل من الخلق الأول ، فخلْقه السموات والأرض ، وجعله الظلمات والنور ، دليل للتوحيد ، ولذلك رتب عليه التوبيخ لهم ، إذ لم يوحدوا بقوله: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} وخَلْقه الناس من طين دليل بعثهم .