{فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} : تحقق عيسى منهم الكفر ، كما يتحقق الشيء المحس بالإحساس منالحواسن وذلك أن الكفر معقول لا يحس بحاسةن ولكن شبه العلم به بعلم ما يعلم بالحاسة ، ثم إنه لا مانع من أن يبقى أسَّ على ظاهره ، لأنه أحس كفرهم بأذنيه ، إذ سمع منهم ألفاظ الكفر ، والتلفظ بلفظ الكفر بلا حكاية الكفر .
{قَالَ مَنْ أَنصَارِي} : وسكن الياء غير نافع وابن كثير وأبي عمرو .
{إِلَى اللَّهِ} : متعلق بمحذوف ، والمحذوف حال ، وهو كون خاص ، وصاحب الحال الياءن أي من أنصاري ذاهبًا إلى الله ، أو ملتجئًا إلى الله ، وأنصار: جمع ناصر ، والمعنى من ينصرنى حال كونى ذاهبًا إلى الله ، أو ملتجئًا إليهن أو من ينصرنى ضاما نصره إياى ، إلى نصر الله إياى ، وصاحب الحال أيضًا الياء ، ويجوز تعليقه بأنصار على تضمين معنى مضيفين ، أي: من الذي يضيفون أنفسهم إلى الله في نصرى ، بأن ينصرونى مع الله ، ويجوز تعليقه بأنصار ، بلا تضمين ، إن جعلنا {إلى} بمعنى « مع » ، أو « في » أو اللام ، أي في دين الله ، أو لأجل الله ، والمعية حاصلة مع إبقاء {إلى} على أصلها أيضًا ، لأنك إذا أنهيت بشيء إلى شيء ، فقد جمعتها ولذلك أنكر الزجاج وغيرهمجيء {إلى} بمعنى « مع » واستقلوا بذلك .
{قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} : أي أنصار دين الله ، والحوارى: صفى الرجل وخالصته من الحور ، وهو البياض الخالص ، يقال لنساء القرى: حوريات ، لصفاء ألواهن وخلوصه ، وغلبة البياض عليهن ، ويقال للدقيق: حوراى ، لأنه الخالص من جملة الدقيق ، وحوّرت الثوب: بيضته . قال أبو جلدة اليشكرى في نساء القرى:
فقل للحواريات يبكين غيرنا ... ولا يبكنا إلا الكلاب النوائح
روى جابر بن عبد الله أنه ندب رسول الله A الناس يوم اخندق ، فانتدب الزبير ، ثم ندبهم فانتدب الزبير ، ثم ندبهم فانتدب الزبير ، فقال النبي A: « إن لكل نبي حوريات ، وحواريى الزبير » وفي رواية: « وحواريى من أمتى الزبير » فسمى أنصار عيسى الحواريين لخلوص نياتهم ، ونقاء سرائرهم ، وظهور نور العبادة عليهم ، وحواريو الأنبياء من أخلصوا نياتهم في نصر الأنبياء ، فهذا الاسم لقبهم الله به ، بعد إجابة عيسى على نبينا وE ، أو كانت نياتهم قبل ذلك خالصة في الله ، وعلى كل حال فهم في الأزل مستحقون لهذا الاسم . وقيل: سموا لأنهم ملوك يلبسون الثياب البيض استنصر بهم عيسى على اليهود ، وقيل: لأنهم قصارون ، يحورون الثياب ، اي يبيضونها . وبه قال الحسن ، وعن مجاهد والسدى: سموا لبياض ثيابهم . وأما تفسير الحوارى الذي يستان به فليس من اللغة ، بل من حيث إن الرجل يستعين بصفيه لما علم عيسى على نبينا وE ، من بنى إسرائيل الكفر ، وعلم أنهم ارادوا قتله ، خرج هو و أمه يسيحان في الأرض فدخلا قرية فأضافهما رجل ، وأحسن إليهما وكان لتلك القرية ملك جبار ، فجاء الرجل يومًا حزينًا ، ومريم عند امرأته ، فقالت مريم: ماشأن زوجك ، أراه كئيبًا حزينًا؟ .