{قلْ هُو القادِرُ عَلى أن يبْعَث عليكم عذابًا مِن فَوقِكم} كإرسال الماء من السماء على قوم نوح ، والريح على عاد ، والصيحة على ثمود ، والحجارة على أصحاب الفيل ، وعلى قوم لوط بعد أن قلبهم {أوْ مِنْ تَحْت أرجُلِكم} كما خسف قوم شعيب ، وكما أرسلت الأرض ماءها لهلاك قوم نوح إرسال السماء ، وكما قلبت الأرض على قوم لوط ، فإنها تحت أرجلهم ، ثم رفعت فكانت عليهم ، وكما أغرق فرعون فإن الماء المستقر في الأرض مما يوصف بأنه تحت الأرجل ، إذ يدخل فيه بالأرجل في الجملة ، وإذ هو في الأرض التي تحت الأرجل .
وعن السدى ، عن أبي مالك: من فوقكم الرجم ، ومن تحت أرجلكم الخسف ، وهو أيضا مروى عن مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك ، وعن مجاهد وابن عباس: من فوقكم السلاطين المظلمة ، وحكام الجور ، ومن تحت أرجلكم العبيد والسفلة ، وقيل: من فوقكم حبس المطر ، ومن تحتكم منع النبات ، والظاهر أن الخطاب للمشركين في قوله: {على أن يبعث عليكم} إلخ كما هو لهم في قوله: {قل الله ينجيكم ثم أنتم تشركون} وما قبله ، وقال أبيّ بن كعب وجملة: هو للمؤمنين ، قال جابر بن عبدالله وغيره ، عن النبي A: لما نزل {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم} قال: « أعوذ بوجهك » ولما نزل: {أو من تحت أرجلكم} قال: « أعوذ بوجهك » ولما نزل:
{أو يلبسكم شِيعًا ويذيق بَعضُكم بأسَ بَعضٍ} قال: « هذه أيسر وأهون » ، استدل بهذا الحديث من قال الخطاب للمؤمنين وهو ضعيف ، لعبد أن يكون النبي A تعوذ لأمته من هذه الأشياء التي توعد بها الكفار وهون الثالثة ، وقد رجح أبو عبدالله محمد بن جرير الطبرى أنه ليس للمؤمنين ، وقال: إنه للمؤمنين جماعة منهم ابن عباس ، ومجاهد ، وابن زيد ، وابن العالية ، وأبي بن كعب قالوا جميعا: معنى {يلبسكم شيعًا} الأهواء المختلفة ، ومعنى {يذيق بعضكم بأس بعض} القتال الذي وقع بين الصحابة وسفك الدماء ، فهاتان اثنتان وقعتا بعد رسول الله A بخمس وعشرين سنة ، وبقيت اثنتان: بعث العذاب من فوق ، وبعثه من تحت ، وهما لا بد واقعتان عندهم بعد ذلك ، قال أبو العالية: الخسف والمسخ ، وقال أبي: الخسف والرجم .
قال سعد بن أبي وقاص: أقبلت مع رسول الله A ذات يوم من العالية ، حتى إذا مر بمسجد بنى معاوية ، دخل فركع فيه ركعتين فصلينا معه ، ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال: « سألت ربي ثلاثا أعطانى ثنتين ومنعنى واحدة ، سألت ربي أن لا يهلك أمتى بالسَّنة أي بالجوع فأعطانيها أي أعطانى مسألتى ، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فأعطانيها ، وسألت ربي أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها »