فهرس الكتاب

الصفحة 2354 من 7694

{واتَّقُوا فِتنةً لا تُصيبنَّ الَّذينَ ظلمُوا منْكُم خاصَّةً} أي اتقوا ذنبا لا يختص وباله بفاعله ، فالفتنة الذنب ، وظلموا فعلوا ذنبا ، وذاك كترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكالمداهنة وهي جلب الدنيا بالدين ، وكاقتران الكلمة وظهور البدع ، والتكاسل عن الجهاد ، قاله القاضي ، وفي بعضه نظر ، فإن الذنب الذي هو ترك الأمر والنهي ، أو الذي هو المداهنة يصيب فاعله فقط ، وأما تارك المعروف ، وفاعل ما يداهن عليه ، فإنما يصيبهم ذنبهم الذي فعلوا والأولى تفسير الفتنة بالعذاب ، فيكون المعنى احذروا العذاب العام ، بأن تأمروا وتنهوا ، أو تنصفوا ، وإلا فعميم العذاب من فعل الذنب ومن لم يأمره ولم ينهه ، ولم ينصف وبأن تجمعوا الكلمة وتزيد البدع وتجاهدوا ، وإلا اتصل الباطل بكل أحد وانتشر ، وخاضوا فيه فيعمهم العذاب .

وقد ثبت في الحديث: أن من قدر على تغيير المنكر ولم يغيره كان كفاعله ويصيبه الله بعقاب قبل أن يموت ، ومن رضى به كمن حضره وكمن فعله ، وذلك إذا ظهر المنكر أو علم به ، وأنه ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشى ، والماشى خير من الساعى ، من تشوف لها تسترقه ، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ .

وقد علمت مما ذكرت أن غير الظالم بذنب إنما يصيبه العقاب بذنب آخر ، ففاعل المنكر يعاقب بفعله وغيره يعاقب بترك النهي ، فلا حاجة إلى قول بعضهم في الجواب أن الخلق ملك لله يتصرف فيه بما شاء ، وعن قتادة ، والضحاك ، ومقاتل ، والسدى: نزلت في قوم مخصوصين من الصحابة أصابتهم الفتنة يوم الجمل ، وهم: على ، وطلحة ، والزبير ، قيل: وعمار ، قال الزبير: لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها فإذا نحن المعينون بها ، وما علمت أنا مرادون بها إلا اليوم ، يعني يوم الجمل ، قال السدى: زلت في أهل بدر فاقتتلوا يوم الجمل .

وكان الزبير يساير النبي A يوما فاقبل علىّ فصحك إليه الزبير ، فقال A: « كيف حبك لعلى؟ » فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمى إني أحبه كحبى لولدى أو أشد ، فقال: « فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله؟ » وما كنت أظنها إلا فيمن حوط بها وقت نزولها ، وقيل: الفتنة الابتلاء والاختبار ولا يصح أن تكون جملة لا تمييز جواب للأمر ، ولا نافية إذ لا يصح معنى قولك إن اتقيتموها لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ، وشرط الجزم في جواب الأمر والنهي أو غيرهما كما قال ابن هشام تقدر الشرط من مضمون ما قبله ، مثل: لا تدن من الأسد تسلم ، أي لا تدنى منه تسلم ، فقد لا النافية ، لأن النهي نفى إلا على مذهب الكسائي ومن معه من الكوفيين ، فلا يشترطون ذلك فيجيزون الجزم في قولك: لا تدن من الأسد يأكلك ، بتقدير إن تدن منه يأكلك ، فيجوز على قولهم كون لا تصيبن جوابا للأمر أي إن لم تتقوها لا تصيبن ، وهكذا يقدرون ما يناسب الكلام ، لكن من جنس ما تقدم ، فتقدير القاضي إن أصابتكم لا تصيبن الخ لا يصح كما قال ابن هشام ، ولو أقره السعد والسمنى إذ لا يناسب كونه جوابًا للأمر ، ولا يتبين وعليه فتصيب في محل جزم ، ويضعفه أن جواب الشرط متردين الوقوع وعلمه فلا يليق به النون المؤكدة لكن لما تضمن النفى معنى النهي ساغ كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت