{انفِرُوا خِفافًا} بنشاط أو قلة عيال ، أو لركوب أو إقلال سلاح ، أو لصحة أو شباب ، أو فقر أو عدم ضيعة مشغلة ، أو لعزية أو قلة حاشية وأتباع ، أو لمبادرة الخروج بلا ترو ولا استعداد ، أو لعدم شغل ، أو لشجاعة ونحو ذلك مما يمكن به السفر بسهولة {وثِقالًا} لعكس ذلك ، ويجوز دخول الغنى بالخفة نظرا إلى أن الغنى تسهل له مؤنة التجهيز والفقر في الثقل ، ودخول الرجولة في الخفة ، والركوب في الثقل ، لأن الراكب يتجهز لمركوبه ولنفسه جميعا ، ودخول الجبان في الخفة نظرا إلى أن الجبان هين عند العدو ، والشجاعة في الثقل نظرا إلى شدتها عنده .
والمراد: انفروا على أي حال كنتم ، شهد أبو أيوب الأنصاري المشاهد كلها مع رسول الله A ، ولم يتخلف بعد موته عن غزوة ، فقيل له في ذلك فقال: سمعت الله سبحانه وتعالى يقول: {انفروا خفافا وثقالا} ولا أجدنى إلا خفيفا أو ثقيلا ، قال أبو طلحة: ما أسمع الله عذر أحد ، وخرج إلى الشام فجاهد حتى مات .
وذكر الطبرى ، عن بعض: أنه رأى المقداد بن الأسود بحمص وهو على تابوت صراف ، وقد فضل على التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو فقيل له: لقد عذرك الله ، فقال: أبت علينا سورة البعوث {انفروا خفافا وثقالا} وروى سورة البحوث ، قال صفوان بن عمرو: وكنت واليا على حمص ، فلقيت شيخا قد سقط حاجباه على عينيه ، وأهل دمشق على راحلة يريد الغزو ، فقلت: يا عم أنت معذور عند الله ، فرفع حاجبيه فقال: يا ابن أخى استنفرنا الله خفافا وثقالا ، إلا أنه من يحبه يبتليه .
وخرج سعيد بن المسيب وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: إنك عليل ، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل ، فإن لم يكن القتال فكثرة السواد ، وخفض المتاع ، قال الحسن وعكرمة: ذلك فرض عين ، ثم نسخ بقوله سبحانه وتعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} وهو رواية عن ابن عباس رضى الله عنهما .
وقال السدى: نسخت بقوله: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} الآية ، « وقال ابن أم مكتوم لرسول الله A: أعلىَّ أن أنفر؟ فقال: » نعم « حتى نزل: {ليس على الأعمى حرج} » وقال جار الله: الأمر هنا ندب بالنظر إلى الأعيان ، والنفر فرض كفاية ، ولم يدخل فيه من لا يمكن غزوه كالعمى ، فضلا عن أن ينسخ ، وقد خلف رسول الله A في هذه الغزوة النساء ، وبعض الرجال في المدينة .
وقيل: المراد انفروا إذا نفر النبي A ، وقيل: انفروا إذا استغفرتم عند الخوف الشديد ، ودهمكم الأمر من العدو ، وصيح فيكم بالنفير .
{وجاهِدُوا بأموالكُم وأنفُسِكم} بما أمكن من ذلك ، فالقوى الذي له مال يجاهد بنفسه وماله ، ومن له مال وهو ضعيف لمرض أو غيره ، أو لا يصلح للقتال يجاهد بماله ، بأن يعطى منه ويجهز به من يجاهد بنفسه فقط لفقره ، وقيل: ذلك وصف لأكمل ما يكون في الجهاد وأنفعه عند الله ، بأن يكون بالنفس والمال معا ، وقد ذكر الأموال لأنها أول مصرف وقت التجهز .