{قالُوا يَا أبانَا مالَكَ لا تأمنَّا} أي مالك تكون غير آمن لنا ، بل خائفا منا {عَلَى يُوسفَ} وجملة لا تأمنا حال من الكاف ، والأصل لا تأمننا بضم النون سكنت وأدغمت لكن باشمام الضمة ، وحقيقة الإشمام في ذلك أن يشار بالحركة إلى النون لا بالعضوء إليها ، فيكون ذلك إخفاء لا إدغاما صحيحا ، لأن الحركة لا تسكن رأسا ، بل يضعف الصوت فيها فيفصل بين المدغم والمدغم فيه لذلك ، وهذا هو الصواب لتأكيد دلالته ، وصحته في القياس ، قاله أبو عمرو الدانى قال وكل السبعة قرأ بالإدغام ، انتهى . وقرئ في غير السبع بلا إدغام ، وقرئ أيضا بلا إشمام مع إدغام ، والمشهور عن نافع الإدغام باضمام ، وروى عنه بلا إشمام قال بعضهم ترك الإدغام شاذ ، لأنهما من كلمتين ا . ه .
والظاهر تعليق من ترك إلا بشاذ لأن كونهما من كلمتين إنما يقتضى ترك الإدغام لا الإدغام ، وقرئ تيمنا بكسر حرفة المضارعة . وقلب الألف ياء والإدغام ، وفي نسخ المقارنة نون حمراء بين الميم والنون .
{وإنَّا له لنَاصِحونَ} حال من ضمير في تأمنا ، أو من المستتر فيه ، والنصح له الشفقة عليه ، وإرادة الخير له ، والقيام بمصلحه وحبه: لما عملوا أن يعقوب محافظ على يوسف عنهم لما يتراءى له من حسدهم ، وأنه محسن منهم بما أوجب أن لا يأمنهم عليه ، بدءوا له بما يستتر له عن رأيه ، بأن شرعوا في الإنكار عليه في تركه يوسف بلا إرسال معهم في خرجاتهم إلى مراعيهم ، كأنهم قالوا: أتخافنا عليه إذا أرسلته معنا ، والحال أنا ناصحون له .
أظهر من الوله ما يظن به أن ما يحذره منهم خطأ منهم فيهم ، وأنه شيء لا يقع ، وهذا أولى من قول مقاتل: إن في الكلام تقديما وتأخيرا ، وذلك أنهم قالوا: {أرسله معنا} فقال: {إني ليحزننى} إلى قوله: {غافلون} فقالوا: {مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون} وروى أنهم لما قالوا: يا أبنا مالك ، لاهتزت أركان يعقوب ، واصفر واصطكت أسنانه ، كأنه علم ما في قلوبهم ، لأنه رآهم على صور الذئاب كما يأتي إن شاء الله .