{وكَذلكَ مَكَّنَّا ليُوسفَ} قال أبو البقاء: اللام زائدة في المفعول به أو أصل ، والمفعول محذوف أي مكنا الأمر ليوسف {في الأرْضِ} أرض مصر ، وكانت أربعين فرسخا في كل جهة {يتَبَّؤأ} يتخذ لنفسه {مِنْها} نعتا لمفعول محذوف ، أي يتخذ منزلا ثابتا منها ، أو يتلو بمعنى ينزل ، ومنها نعت لظرف محذوف أي منزلا منها أو من بمعنى في .
{حَيثُ يَشاءُ} متعلق {يتبوّأ} أو نعت ثان للمحذوف ، أو حال منه ، أو من ضميره المستتر في الجار والمجرور ، وقرأ ابن كثير نشاء بالنون ، وذلك التبؤُّؤ تفسر للتمكين .
قال في عرائس القرآن: روى سفيان عن عبد الملك بن المنذر ، أن الملك قال ليوسف: إني أريد أن تخالطنى في كل شيء ، غير أنى أحب أن لا تأكل معنى ، قال يوسف: أنا أحق لأن أقف عن ذلك ، لأنى ابن يعقوب إسرائيل الله ، ابن إسحاق ذبيح الله ، ابن إبراهيم خليل الله ، فصار بعد ذلك يأكل معه .
قال ابن عباس: فلما مضى ليوسف سنة من يوم سؤاله الإمارة دعاه الملك فتوَّجه رداءَهُ وقلده بسيفه ، وأمر له بسرير من ذهب مكلل بالدر والياقوت ، وضرب له عليه حلة من الإستبرق ، وطول السرير ثلاثون ذراعا ، وعرضه عشرة أذرع ، وعليه ثلاثون فراشا ، وستون نمرقة ، ثم أمره أن يخرج متوجا ، ولونه كالثلج ، ووجه كالقمر الناظر ، ووجهه يتلألأ نورا .
فانطلق حتى جلس على السرير ، ودانت له الملوك ، ولزم الملك ، بيته ، وفوض إليه أمر مصر ، وعزل قطفير عما كان عليه ، وجعل يوسف مكانه ، ثم مات قطفير في تلك الليالى ، فزوج الملك يوسف امرأته زليخا ، ويقال لها: راعيل على ما مر ، ولما دخل عليها قال: أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟ قالت: أيها الملك الصديق لا تلمنى فإني امرأة مشركة حسناء ناعمة ، في مُلْك ودنيا ، وكان صاحبى لا يأتي النساء ، وكنت كما جعلك في صورتك ، وهيئتك ، وغلبتى نفسي وعصمك الله ، وافتضها يوسف إذ وجدها غذراء ، وولدت له ذكرين: أفرايتم وميشا ، واستوثق ليوسف أرض مصر ، وأقام العدل ، وأحبه الرجال والنساء ا ه .
وتيقنواأن لا ملك مثله ، وقيل: إن قطفير مات قبل خروج يوسف من السجن ، وزوجه الملك امرأته بعد خروج ، وقيل: إنه تزوجها بعد أن كبرت وافتقرت على ما يأتي إن شاء اله ، وأسلم على يده الملك وكثير من الناس .
وروى أنه لما قال: {اجعلنى على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} قال: صدقت إني ا أعلم أحدًا أولى بذلك كنك ، فخذ هذا الخاتم والتاج والسرير ، فيهن يقوم ملكى ، ويشتد أمرى ، فلعمى أن الذي أعطاك إلهك ، وشرفك به ليسير في حقك ، وقليل في خطرك ، فأنت الذي تحمل أهل مصر .
فقال يوسف: أما الخاتم فأشد به أمرك ، وأما السرير فأظهر به سلطانك ، وأما التاج ليس من لباسى ولا من لباس آبائى ، وفي رواية: أما السرير فأشد به ملكك ، وأما الخاتم فأدبر به أمرك ، ولما لم يقبل يوسف عنه التاج قال: إن لم تلبسه فأنا أضعه عن رأسى حتى يعلم الناس أنى قد وضعته أجلالا لك ، وأنى فضلتك على نفسي ، وآثرتك بسلطانى ، ثم قال: رضينا بك ، وسمعنا كلامك ، وأقررنا بعلمك وشرفك ، فالحكم حكمك ، والقول قولك: والأمر أمرك ، وأنت المقدم ، ونحن تبع لك سامعون مطيعون ، وقد وليتك مملكتى أربع عشرة سنة ، قدر أيام السعة والضيق ، وإذا مضت هذه المدة رددت علىَّ مملكتى ، وتكون أعز أهل مملكتى ، لا أمَعك شيئا تريده ، ولا حكما تنفذه ، ودخل على ذلك الشرط .