{مًّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذّلِكَ} : اسم مفعول ذبذب ، وذبذب متعد ، يقال: ذبذبه أي صيره متحيرا مترددا ، فالله صيرهم بالخذلان أو الشيطان بالوسوسة أو الهوى متحيرين بين ذلك ، أي بين ما ذكر من الايمان والكفر ، وثلاثية ذب بمعنى طرد شدد للمبالغة ، فكان ذبب بتشديد الباء الأولى ، فكانت ثلاث باءات ، قلبت الثانية ذالا على خلاف بسطته في شرح اللامية وغيره ، في مثل وسوس ولملم ، فالمتحير المضطرب يصير كمن يلجأ الى هذا فيطرده ، والى ذلك فيطرده ، ولا يزال كذلك .
ومذبذب حال من واو يراءون أو منصوب على الذم أي أذم قوما مذبذبين ، أو ألعن قوما مذبذبين أو نحو ذلك ، أو حال من واو يذكرون على أنه معتبر قبل الا لا بعد الا لأن الا الواحدة لا تستثنى اسما واسمين بلا تبعية ، وان كان النصب على الذم فتنكيره للتحقير ، وقرأ ابن عباس بكسر الذال الثانية على حذف المفعولن أي مذبذبين قلوبهم أو دينهم أو رأيهم أو من ذبذب لا زاما بمعنى تحير واضطرب ، كصلصل بمعنى تصلصل وتناسبه أنه وجد في مصحف ابن مسعود متذبذبين ، وقرأ أبو جعفر مدبدبين بدال مهملة ، أي أخذ بهم تارة في دابة وتارة في دابة أي طريقة .
{لا إِلَى هَؤلآءِ} : المسلمين .
{وَلا إِلَى هَؤلآءِ} : الكافرين ، لا الأولى نافية عاطفة على مذبذبين ، كقولك: ما جاء خالد لا حافيا ولا منتعلا ، والمعطوف محذوف لتعلق به الى أي منسوبين الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ، والواو عاطفة ولا بعدها مؤكدة للنفى ، وتنص على الكلية ، ودفع لك مثل قولك: ما قام زيد ولا عمر تنفى القيام عن هذا وعن ذلك ، ولو قلت: وعمرو لاحتمل ذلك ، واحتمل أن تريد لم يقم كل واحد ، بل قام أحدهما .
وان قلتك قد كان لهم انتساب الى المسلمين ، وكذا الى الكافرين ، قلت: المعنى لم ينتسبوا الى المسلمين بقلوبهم وألسنتهم وأعمالهم ، بل بألسنتهم وقلوبهم دون اعمالهم أو بألسنتهم وأعمالهم دون قلوبهم ، ولا الى الكافرين بذلك كله ، بل بقلوبهم وقصور أعمالهم ، لأن العبرة بأحوالهم بحضرة المؤمنين ، وأما إذا اعتبر حالهم بحضرة الكافرين فهم مع الكافرين بالقلب واللسان والعمل ، إذا خلوا بهم أن أسروا الشرك ، والا فبعملهم ، وينطقون أيضا معهم بكلمة الشهادة .
ويجوز أن يكون المعنى لم ينحازوا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ، وانما فسرت هؤلاء الأولى بالمسلمين ، لأنهم أفضل ، ويجوز العكس ، وقد فسره يبغورين وأبو عمار C بالمسلمين ، والثانية بالكفار كما فسرت ، وكذا القاضين ويؤيده أن المؤمنين أقرب ذكرا ، قيل: ولفظ هؤلاء للقريب والمؤمنون أقرب اذ قال: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} {وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} : أي الهدى هدى عصمة كقوله تعالى: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} وعن ابن عمر ، عن البنى صلى الله عليه سلم: « مثل المنافق كمثل الشاة العابرة بين الغنمين تعبر الى هذه مرة والى هذه مرة » أي هذه الغنم أو الى هذه الى الغنم ، والعابرة المترددة ، كذلك المنافق متردد قوله ، يخالفه عمله أو قلبه مع المشركين وظاهره مع المؤمنين .