{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} : نزلت هذه الآية في طعمة بن أبيرق بن أبي ظفر بن الحارث من بنى ظفر ، ويقال له أيضا: طعيمة بن أبيرق ، وله ثلاثة أخوة: بشر وبشير ومبشر ، وكان بشير رجلا منافقا يهجو أصحاب النبي A في أشعاره ونيسبها لغيره ، فكان المسلمون يقولن: والله ما هو الا شعر الخبيث ، فقال شعرا ينتفى من ذلك:
أفكلما قال الرجال قصيدة ... نحلت وقالوا ابن أبيرق قالها
قال قتادة بن النعمانك كان بنو أبيرق أهل فاقة ، فابتاع عمى رفاعه بن زيد دقيقا من دقيق الشام فجعله في مشربة له ، وفي المشربة درعان له وسفيان ، فعدى على المشربة من الليل ، فلما أصبح أتانى عمى رفاعة فقال: يا ابن أخى أتعلم أنه قد عدى علينا في ليلتنا هذه فتقبت مشربتنا ، وذهب بطعامنا وسلاحنا ، قال: فتحسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بنى أبيرق استوقدوا نارا في هذه الليلة ، ولا نراه الا على بعض طعامكم ، وقد قال بنوا أبيرق: نحن نسأل الله ، والله ما نرى صاحبكم الا لبيد بن سهل .
قال قتادة: ولبيد هذه رجل صالح مسلم ، فسمع لبيد ذلك ، فاخترط سيفه ثم آتى بنى أبيرق فقال: والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة ، فقالوا: اليكم عنا أيها الرجل ، فوالله ما أنت بصاحبها ، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها ، فقال لي عمى: يا ابن أخى لو أتيت رسول الله A فأخبرته بهذه القصة ، فأتيته A فقصصتها عليه فقال: أنظر في ذلك ، فلما سمع بذلك بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له: أسير بن عروة ، فكلموه في ذلك ، واجتمع اليه ناس من أهل الدار ، فأتوا رسول الله A فقالوا: يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا الى أهل بيت منا أهل صلاح واسلام يرمونهم بالسرقة على غير بينة .
قال قتادة: فأتيت رسول الله A فكلمته فقال: عمدت الى أهل بيت ذكر منهم اسلام ومصلاح فرميتهم بالسرقة من غير بينة ، فرجعت ووددت أن أخرج من بعض مالى ولم أكلمه ، فأتيت عمى فقال: ما صنعت فأخبرته بما قال رسول الله A ، فقال: الله المستعان فلم نلبث أن نزلت الآيات ، وارتد بعد ذلك طعمة صريحا وهرب الى مكة ، فروى أنه نقب حائط بيت ليسرقه ، فانهدم الحائظ عليه فقتله ، ويروى أنه تبع قوما من العرب فسرق منهم فقتلوه ، وقيل: انه لما نزل القرآن فيه ارتد صريحا فهرب لمكة ، ثم نقب الحجاج بن غلاط حائطا ليسرق فوقعه عليه حجرا ضره ، ولما أصبح أخرجه أهل مكة ، فلقى قوما من العرب فقال لهم: ابن سبيل ومنقطع به فحملوه ، لما جن الليل سرقهم ثم ركبوا في أثره ولحقوه وضربوه بالحجارة حتى قتلوه ، ويجمع بين هذا وما مر بأن ما مر من أنه مات تحت النقب أنه يشارف فيه الموت .