« الدين قبل الوصية ثم الوصية ثم الإرث » وضمير {يوصى} للميت وقرأ بان كثير وابن عامر وأبو بكر: بفتح الصاد على البناء للمفعول ، و {بها} نائب الفاعل .
{آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} : {آباؤكم} مبتدأ ، وجملة {لاَ تَدْرُون . . إلخ} خبر ، و {إيهم أقرب} مبتدأ وخبر ، والجملة قامت مقام مفعولى تدرى إن علق بالاستفهام ، والمعنى أتعملون أبيهم أنفع لكم في الدين والدنيا؟ فقد تظنون أن الأب أنفع من الولد أو الولد أنفع منه ، فتعطون من ليس أنفع وتمنعون من هو أنفع من الولد أو الولد أنفع منه ، فتعطون من ليس أنفع وتمنعون من هو أنفع أو تنقصونه والأمر عند الله بالعكس ، فهو مدبر المصلحة في مقادير الإرث ، ولو وكل إلى قسمتكم لم تقسموه بعد الموت على وفقها ، ولا أوصى الميت على وفقها وغير الأب والابن مثلها فهما تمثيل ، ومن جملة نفع الابن: أنه يرفع إليه في درجته أبوه ، إن كان الابن أرفع درجة منه إكرامًا له وبالعكس ، يسأل الابن الله تعالى أن يرفع إليه أبوه وبالعكس ، وقيل: إن الآية معترضة بين الميراث ، وإنها في رفع درجة أحدهما إلى الآخر ، ونسب لابن عباس والأولى رده غلى ما فسرت الآية به ، من أنه لمثل هذا النفع لم ينبغى لكم التقدم في الإرث ، وقيل: المعنى لا تدرون أي واحد منالأب أو الولد انفع لكم وأهم؟ أمن أوصى للمساكين أو اليتامى أو القرابة أو وجه من وجوه الأجر؟ أو بالدين لو التباعة او حق الله؟ أو من لم يوص فإنه من أوصى بذلك فهو أنفع لكم بإثابة الله إياكم على إنفاذ وصية ، لأن ثواب الله أفضل من مال يؤخره الميت ، ولا يعهد إليكم فيه بشيء تنفذونه ، فهذا متصل بما قبله من الوصية ، وهذا أنسب بتأكيد ما تصل به قبله من الوصية والدين ،
وقيل إن الكلام الابن والأب ينفق الآخر عند الاحتياج ، فلا تدرون أيهم ينفق الآخر ، ومعنى {أقرب} في الآية: أعظم مجازا وذلك أن الشيء الأعظم يقربه الإنسان إلى نفسه . أو المعنى: اثبت على أنه من القرب بمعنى الثبوت ضد البعد بمعنى الانتفاء ، فإن مال الدنيا زائل ، فإذا زال فهو البعيد ، بمعنى مستحيل الرجوع ، وثواب الآخرة إذا جاء لو يزلن وتفسيره برفع أحدهما إلى درجة الآخر مروى إلى الكلبى ، وروى عن سعيد بن جبير يرفعه إلى ابن عباس وما فسرت به الآية أو لا يكون أيضًا ردًا على الجاهلية في توريثهم منعهم النساء والصغار .
{فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ} : مصدر مؤكذ لغيره وناصبه محذوف ، أي فرض الله ذلك القسم فريضة منه ، وغيره هو قلوله {يوصيكم} ، ويجوز أن يكون مصدرًا معنويًا ل {يوصيكم} ، كقمت وقوفًا ، فإن يوصيكم بمعنى يفرض عليكم ، و {مِن اللهِ} نعت فريضة .
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} : عالمًا بمصالحكم ومراتبكم ، وحكيمًا في قضائه وقدره ، وقيل: عليما بالأشياء قبل خلقها ، حكيما في أحكامه وتوريثه . فمعنى {كان} : الكون في الأزل الماضي بلا أول على العلم والحكمة ، وقال سيبويه: لما شاهد الناس حكمته ، علمه أخبرهم الله أنه كان كذلك ولم يزل قبل مشاهدتكم ، وقال الخليل: إن الكون للاستمرار .