وأمر يهوذا رأس اليهود رجلا من أصحابه يقال له فطيانوس أن يدخل الخوخة ويقتله ، كان ينافق عيسى ، ولما دخل فيطانوس الخوخة لم يرد عيسى عليه السلام ، فأبطأ عليهم ، فظنوا أنه يقاتله فألقى الله عليه شبهه ، ولما خرج ظنوا أنه عيسى فقتلوه وصلبوه .
قال وهب بن منبه: إن عيسى عليه السلام لما أعلمه الله أنه خارج من الدينا ، ضاق ذلك عليه ، وشق فدعا الحواريين وصنع لهم طعاما وقال لهم: أحضرونى الليلة وان اليكم حاجة ، فلما اجتمعوا اليه من الليل أطعمهم وقام يخدمهم ، ولما فرغوا من الطعام أخذوا يغسلون أيديهم وهو يوضئهم ويمسح أيديهم بثيابه ، فتعاظموا ذلك وتكارهوه ، فقال لهم: من رد على الليلة شيئا مما أصنع فليس هو منى ولا أنا منه ، ولما فرغوا من الطعام قال: ما خدمتكم الليلة الا لتكون فيَّ أسوة ، فانكم ترون أنى خيركم فلا يتعاظم بعضكم على بعض ، وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم ، وأما حاجتى التي استعنتكم عليها ، فأن تدعوا الىَّ وتجتهدوا في الدعاء أن يوخر أجلى .
فلما نصبوا أنفسهم للدعاء ، وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء ، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله ما تصيبون في الليلة الواحدة أن تعينونى ، قالوا: والله ما ندرى ما لنا ، لقد كنا نسهر فنكثر السهر ، وما نطيق الليلة السهر ، وما نريد دعاء الا حيل بيننا وبينه ، فقال: يذهب الراعى وتبقى الغنم ، وجعل يأتي بكلام نحو هذا يعني نفسه ، ثم قال: ليكفرن بى أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات ، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة ، وليأكلن ثمنى .
فخرجوا وتفرقوا ، وكانت اليهود تطلبه ، فأخذوا شمعون أحد الحواريين وقالوا: هذا من أصحابه فجحد ، وقال: ما أنا من أصحابه فتركوه ، ثم أخذوا آخر فجحد كذلك ، ثم سمعوا صوت الديك فبكى وخوفه ذلك ، وقد أتى أحد الحواريين الى اليهود فقال لهم: ما تجعلون لي إن دللتكم على عيسى؟ فجمعوا له ثلاثين درهما ، فأخذها ودلهم عليه ، وكان شبه عليه قبل ذلك ، فأخذوه واستوثقوا منه ، وربطوه بالحبل ، وجعلوا يوقدونه ويقولون له: أنت كنت تحيى الموتى ، وتبريء المجنون ، أفلا تفتح يمينك عن هذا الحبل ، ويبصقون عليه ، ويلقون عليه الشوك ، ونصبوا له خشبة ليصلبوه ، فأظلمت الأرض وأرسل الله الملائكة فحالوا بينهم وبين عيسى ، وألقى شبه عيسى على الذي دلهم عليه ، فقال: أنا الذي دللتكم عليه فلم يلتفتوا الى قوله فقتلوه وصلبوه ، وهم يظنون أنه عيسى ، وتوفي الله عيسى عليه والسلام ثلاث ساعات ، ثم رفعه الى السماء ، فجاءت مريم أم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فبرئت باذن الله من الجنون تبكيان عند المصلوب ، فجاءهما عيسى فقال: على م تبكيان؟ قالتا عليك . قال: إن الله رفعنى ولم يصبنى الا خير ، وأن هذا شبه لهم .