{وَمَن أَحْيَاهَا} : أي أحيا النفس ، وهذا على طريق الاستخدام ، فان النفس التي يحيى غير التي قتلها ، ومعنى احياء النفس ابقاءها حية كالعفو عن القاتل لوجه الله ، وبالعفو فسر الحسن احياءها ، ومثل أن تدعوك نفسك الى قتلها فتتركه لوجه الله تعالى ، وكتنجيها ممن أراد قتلها ظلمًا ، أومن حيوان يقتلها ، أو من حريق أو قدم أو غرق أو جوع أو عطش مهلك ومن غير ذلك من أسباب الهلاك ، كالاخبار بأن هذا الطعام أو الشراب مسموم ، وبارادة انسان قتله والاخبار يبريء وهو لم يرها .
{فَكَأنَّمَا أحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} : وذلك ترهيب عن القتل ظلمًا ، وترغيب في السعى في بقاء الحياة ، قال ابن عباس ، وابن زيد: المعنى من قتل نفسًا واحدة ، وانتهك حرمتها ، فهو مثل من قتل الناس جميعًا ، ومن ترك قتل نفس واحدة ، وصار حرمتها مخافة فهو كمن أحيا الناس جميعًا ، وفي رواية عنه: المعنى من قتل نبيًا أو ام عدل ، كأنما قتل الناس جميعا ، ومن شد عضد نبي أو امام عدل ، فكأنما أحيا الناس جميعًا ، يريد من يكون قتله هلاكًا للدين ، كما قيل أفضل احياء النفس أن ينجها من كفرها وضلالها .
وكما قيل: من مات الدين على يده كقاتل الناس جميعًا ، ومن أحياه كمن أحيا الناس كلهم منم موت أشرف عليهم ، وكما قال A لعلى حين بعثه في جيش: « اعلم يا على أنه إن يسلم بك رجل خير من الدنيا وما فيها » وعن مجاهد: المعنى أنه من قتل نفسًا واحدة مؤمنة عمدًا استوجب جهنم والخلود وغضب الله ، ولعنه واعداد العذاب العظيم ، ومن قتل الناس كلهم لا يزيد على ذلك شيئا من سلم من قتل احدة ، فقد سلم منهم جميعًا . ومثله عن الحسن: ميا ابن آدم أرأيت لو قتلت الناس جميعًا اتطمع أن يكون لك عمل يوازى ذلك فيغفر لك به ، فكذا لو قتلت واحدًا .
وقيل: المعنى لو قتل الناس جميعا لقتل ، ولم يزد على من قتل نفسًا واحدة شيء ، ومن تسبب في حياتها فله من الثواب مالو نجاهم كلهم من الموت ، وقيل: المعنى من استحل قتل نفس بغير حق كمن استحق قتل الناس كلهم ، ومن ترمك قتلها تورعًا فكأنما تورع عن قتلهم كلهم ، والتحقيق ما فسرت الآية به أولا .
{وَلَقَد جَآءَتهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ} : أي جاءت بنى اسرائيل رسلنا بالدلائل الظاهرة الدالة على صدق الرسل .
{ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنهُم بَعدَ ذّلِكَ} : المذكور عن ارسال الرسل بالبينات ، والتشديد عليهم في أمر القتل .
{فِىلأَرضِ لَمُسرِفُونَ} : بالقتل وغيره من الفواحش ، والاسراف التباعد عن حد الاعتدال فهم لا يبالون بالاسراف في المعاصى في كل عصر ، وقيل: المراد بالاسراف الاشراك ، وبعد متعلق بمسرفون بعده ، وكذا في الأرض فهو من تقديم معمول الخبر على لام التأكيد المتصلة به ، وهو في المعنى أقرب من أن يجعل بعد متعلقًا بمحذوف نعت لكثير أو حال من الضمير المستتر في منهم ، فان منهم متعلق بمحذوف نعت لكثير ، وفي الأرض متعلق بمحذوف نعت آخر أو حال من المستتر في بعد أو متعلق بما تعلق به بعد .