{لَيجمعنَّكم إلى يَوم القيامة} والله ليجمعنكم في يوم القيامة ، إلى بمعنى في ، ولا يجوز أن تكون تقدير ليجمعنكم من قبوركم إلى يوم القيامة ، لأن الزمان لا يكون غاية للمكان ، والمكان لا يكون غاية للزمان ، ويجوز تقدير المكان ، فيصح أي ليجمعنكم من قبوركم إلى موقف يوم القيامة ، فيكون المكان غاية للمكان ، ويجوز أن يكون المعنى: والله ليسكننكم في القبور إلى يوم القيامة فيبعثكم ، ولا يصح أن يكون ليجمعنكم إلى يوم القيامة مع القسم المحذوف بدلا من الرحمة ، لأن الجملة لا تبدل من المفرد ، ولأن الجمع إلى يوم القيامة بعضه رحمة وهو جمع السعداء ، وبعضه غير رحمة وهو جمع الأشقياء ، فهو أعم من المبدل منه إلا عند مثبتى بدل الكل من البعض .
وكذلك لا يكون ذلك بدلا من جملة: كتب على نفسه الرحمة ، لأن كَتْب الرحمة أخص من الجمع من حيث إن الجمع نشر إلى الجنة وإلى النار ، فليسه كله رحمة إلا على ذا القول ، بل الشاهر أن الخطاب للكفار فقط ، وقد يدعى أن ذلك بدل إضراب من الجملة ، والتحقيق أن الجملة مستأنفة ، وعلى كل حال فالمراد البعث الجزاء ، ففيه وعيد الكفار ووعد للمؤمنين .
{لا ريْبَ فيه} لا شك في إتيان يوم القيامة ، الهاء ليوم القيامة ، ويجوز عودها إلى المدلول عليه بقوله تعالى: {ليجمعنكم} لا شك في المحشر ، ولا شك في جمعكم في القبور ، أي في إسكانكم فيها ماكثين إلى يوم القيامة ، وجملة {لا ريب فيه} مستأنفة أو حال من يوم أو نعت لمصدر محذوف ، أي جمعًا لا ريب فيه .
{الَّذين خَسرُوا أنفسهم} منصوب على الاختصاص من عموم كاف ليجمعنكم ، فإن لفظه عام ، والمراد به الكفار فقط على الظاهر ، فبين بالذين خسروا أنفسهم نحو ما أفصحكم وأكرمكم معشر العرب ، في أخص ذا الخطاب الذين خسروا ، أنفسهم أو أعنى الذين خسروا أنفسهم ، وفي ذلك ذم لهم أو خبر لمحذوف ، أي هم الذين أو مبتدأ خبره جملة هم لا يؤمنون من قوله:
{فهم لا يؤمنُون} ثبتت فيه الفاء لشبه المبتدأ باسم الشرط في العموم ، أو للإبهام وترتبه على خسرانهم ، كترتب الجواب على الشرط ، على معنى أنهم رسخوا في الخسران ، بالتوغل في إهمال نظر العقل ، وفي التقليد فصاروا لا يؤمنون بذلك ، وإما على أن الذين ليس مبتدأ ، فالفاء عاطفة على الصلة عطف اسمية على فعلية ، والفاء في هذا الوجه أيضًا السببية والترتب ، ومعنى خسران أنفسهم تضييعها للنار ، أو تضييع الإسلام الذي ولدوا عليه .