ويدل له ما رواه البكالى أنه لما اختار موسى السبعين قال له: أجعل لك الأرض مسجدا وطهورا تصلون حيث أدركتكم الصلاة إلا عند مرحاض أو حمام أو قبر ، وأجعل السكينة في قلوبكم ، وفي رواية: وأجعل السكينة معكم في بيوتكم ، وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم ، يقرؤها الرجل والمرأة ، والحر والعبد ، والصغير والكبير ، فأخبر قومه فقالوا: لا ندرى الصلاة إلا في الكنائس ، ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا ، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهر قلوبنا ، ولا نقرؤها إلا نظرا فقال: {فسأكتبها} أي هذه الخصال المرادة هي وغيرها بلفظ الرحمة {للذين يتقون} إلى: {المفلحون} قال: وهم هذه الأمة ، فقال موسى: اللهم اجعلنى نبيها ، قال ، نبيهم منهم ، قال: اجعلنى منهم ، قال: إنك لن تدركهم ، قال: يا رب جعلت وفادتى لأمة محمد ، قال البكائى: فاحمد الله الذي جعل وفادة بنى إسرائيل لكم ، قال: فأنزل عليه: {ومن قوم موسى أمة} إلى: {يعدلون} فرضى .
{يأمُرُهم} لا يدل على أن المراد بالذين يتقون الخ من في زمان سيدنا محمد A خاصة ، لأن الكلام على التوزيع ، فالوجود في التوراة لأهلها ، وفي الإنجيل لأهله بعد نزوله ، والأمر والنهي وما بعدهما لمن وجد في زمانه ، A ، أو بعده ، وهذه الجملة حال مستقبلة من هاء يجدونه ، أو من المستتر في مكتوبا كقولك: مررت برجل له صقر صائدا به غدا ، وليست الهاء ولا المستتر المذكوران مرادا بهما ذكر نبي ولا لاسمه ، ولا لصفته ، فضلا عن أن يمتنع الحالية كما زعم الفارسى ، فإنهما للنبي A ، وإنما ذلك مضاف محذوف إلى يجدون نعته أو وصفة ، أو ذكره أو اسمه أو أمره .
ولا يقال: كيف جاء الحال من الهاء مع أنها مضاف إليه ، لأنها بعد حذف المضاف مفعول ، ولأن المضاف في الثلاثة الأولى صالح للعمل ، مع أن الفارسى أجاز الحال من المضاف إليه مطلقا ، فقد علموا من التوراة والإنجيل أنه يأمر وينهى ، ويحل وؤحرم ويضع ، بخلاف ما إذا جعلت الجملة مستأنفة في وصفه A ، وتفسيرا ، لما وجدوه مكتوبا كما يقول الفارسى ، والحالية أولى لأنه يزيد بها ذم من وجده كذلك ولم يؤمن به ، ومرادى بنعته ووصفه وذكره ما هو معنى مصدرى ، وما يشمل بيانه مطلقا ولو باسمه واسم أبيه ، فدخل في ذلك بيانه في الصفة والاسم ، وقد ذكر فيهما بهما .