« ناولنى قبضة من حصباء الوادى » فرمى بها وقال: « شاهت الوجوه » فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه فانهزموا ، وروى: أن جبريل عليه السلام قال للنبي A: خذ قبضة من التراب ، فأخذ فرماهم بها فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة ، فقولوا مدبرين .
وقال قتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أخذ ثلاث حصيات: فرمى بحصاة في ميمنة القوم ، وبحصاة في ميسرتهم ، وبحصاة بين أظهرهم ، وقال: « شاهت الوجوه » فانهزموا مع الحصاة الثالثة ، وقيل: رماهم بالتراب ثلاث مرات: مرة إلى كل جهة من الجهات الثلاث المذكورة من القبضة الواحدة ، ويجوز أن يكون المعنى: وما رميت الرمى الكافى إذ رميت ، ولكن الله رماه ، أو ما رميت بالرعب إذ رميت بالحصباء ، ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم ، وقد قيل بهذا أو ما أعنت إذ رميت ولكن الله أعان ، والعرب تقول: رمى الله له أعانه وصنع له خيرا .
وقيل: الآية في طعنة طعنها رسول الله A أبيّ ابن خلف يوم أحد بالحربة ، ولم يخرج منه دم ، فجعل يخور حتى مات ، وحكاه الطبرى ويضعفه أن الآية عليه تكون أجنبية مما قبلها وما بعدها ، وأنها نزلت عقب بدر ، وقيل: إنها في رمية رماها رسول الله A في حصن خيبر فسار السهم في الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق فقتله في فراشه ، ويضعفه ما ذكر ، وأن فتح خيبر أبعد من بدر وأحد بكثير ، وأن سبب موت ابن الحقيق غير هذا كما نراه إن شاء الله في محله ، والحق ما فسرت به الآية أولا وعليه الجمهور .
{وليُبْلى المؤمِنينَ} يرحمهم بالنصر و الثواب ومشاهدة الآيات {مِنْه} من الرمى ، ومتعلق اللام محذوف أي وفعل ذلك ليبلى ، أو العطف على محذوف ، أي ولكن الله رمى ليظهر الدين وليبلى ، ومنه حال من بلاء بعده ، وإن علق ليبلى فمن بمعنى الباء {بلاء حسًنًا} رحمة حسنة ، ورحمة الله إنعامه ، وبلاء اسم مصدر ، و المصدر إبلاء فقيل: المراد أراد الشهادة لمن استشهد يوم بدر وهم أربعة عشر رجلا منهم: عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ، ومهجع مولى عمر ، قيل: ومعاذ وعمرو ابنا عفراء ، وذكروا عن رسول الله A: « أفضل الشهداء شهداء بدر وشهداء الأعماق أعماق أنطاكية » قال بعضهم: يوم الدجال كيوم بدر ، ولو قيل: إن الإبلاء هنا على ظاهره هو الاختبار ، لكن حسنا فإنه اختبار حسن لتولد الخير منه كالظفر والغنيمة والاستشهاد {إنَّ الله سَميعٌ} لاستغاثتهم {عَليمٌ} بنياتهم وأحوالهم .