وتأول قوله: {كان من الجن} وأنه كان من الجن في فساد افعل ، والاعتقاد والوقل ، من الملائكة أصاله وجسما ونوعا ، كما نقول عمر من الشياطين وحاله والبهائم ، فهو يقول: إن إبليس عدو الله من الملائكة ، لكنه فسق كما تفسق الجن ، فيصير البحث مع ذلك القائل في عصمه الملائكة . والحق أنهم معصومون لقوله تعالى: {وهم بأمره يعملون} إى لا يعملون إلا بأمره ، وأنه ليس من الملائكة لأن قوله: {كان من الجن} ظاهر في أنه واحد منهم ، وأن نسبته فيهم ، وهذا حقيقة الكلام والمتبادر منه ، والتأويل المذكور مجاز ، وخلاف المتبادر ، فلا يحمل عليه بلا قرينة واضحة ، وزعم قومنا أن ابن عباس روى أن من الملائكة نوعًا يتوالدون ، يقال لهم الجن ، ومنهم إبليس . وذكر أصحابنا أن من قال الملائكة ذكورًا وإناثا مشرك ، وكذا إن قال: يتوالدون . وقيل لا يشرك إن قال ذلك في أفراد منهم أو في نوع ، بل إن قال فيهم عمومًا لأن قائل هذا تأول قول ابن عباس ، الذي زعموا عنه . ومن أطلق الإشراك ولو على من قال ذلك في أفراد أو نوع ، يحمل كلامه على من قال ذلك تعمدا بمخالفة القرآن أو جهلا لا على من قاله اعتمادا على ما روى عن ابن عباس ، وكذا يحمل قوله بإشراك من قال: إن إبليس من الملائكة على من قاله جهلا أو عنادا للقرآن ، لا على من قاله اعتمادا على ما روى عن ابن عباس مثلا ، وكذا الكلام في عصمة الملائكة ، فقد قيل إن الملائكة ليسوا كلهم معصومين ، ولكن الغالب فيهم العصمة ، كما أن الإنس ليسوا معصومين ، لكن القليل فيهم العصمة ، ويجوز أن يكون الجن أمروا بالسجود كما أمر الملائكة وأن في الكلام حذف تقديره: وإذا قلنا للملائكة والجن اسجدوا لآدم فسجدوا ، يعني الملائكة والجن ، إلا إبليس فيكون الاستثناء متصلا .
وإن قلت: كيف تسجد الجن وهم شرور؟ قلت: يسجد مؤمنوهم طوعا وإخلاصا . ويسجد مشركوهم ومنافقوهم كارهون في قلوبهم غير مخلصين .
وإن قلت: إذا قدرت محذوفا هكذا: وإذ قلنا للملائكة والجن ، فما الدليل عليه؟ . . قلت: يدل عليه بعض دلالة استثناء إبليس ، ويدل عليه أنه إذا أمر الكبار بالسجود وهم الملائكة ، فأولى أن يؤمر به الصغار وهم الجن . قيل: ويحتمل أن يكون الجن قسمين: قسم ملائكة تخالف سائر الملائكة غير معصومة ، وخلقت مما خلقت منه الشياطين وسائر الجن ، وقسم شياطين ، وإن إبليس - أعاذنا الله منه - من القسم الأول لا من سائر الملائكة ، فصلح عليه الوقوع في المعصية ، فيكون النور الذي خلقت منه الملائكة قسمين: قسم هو نور محض غير نار ، ومنه خلقت الملائكة المعصومون . وقسم هو نار ، ومنه خلقت الملائكة غير المعصومة ومنه إبليس . وخلقت الشياطين من نار ودخان مختلطين ، كما قال الله تبارك وتعالى: {من مارج من نار}