ويرجح الشرطية الفاء بعدها ، لأن أصله أن تكون بعدها لا بعد الموصولة ، وكونها بعد الموصولة فرع وخلاف الأصل ، وما هو إلا لشبهها بالشرطية . وأما التعبير في مقابل هذا الكلام بالموصول ، إذ قال: {والذين كفروا وكذبو بآياتنا . . .} إلخ . فإنه ولو كان فيه تقوية للموصول لكن أصالة الفاء في الجواب لا يقاومها التعبير بالموصول في نظير تلك الجملة ، فأنت خبير بها في تريجح أبي حيان في البحر الموصولية بالتعبير بذلك الموصول في الجملة الأخرى .
{هُدىً} : وقرئ هدى بقلب ألفه هداى ياء وإدغام الياء في الياء ، وهو لغة هذيل في المقصور المضاف للياء ، وأعاد ذكر لفظ الهدى ظاهرًا لا ضميرا ليضيفه للياء فتفيد إضافته إليه تعالى تقوية ، كونه هدى وتشريفه وللتأكيد والتعظيم ، فإن من نكت إماقة الظاهر مقام المضمر التأكيد والتعظيم ، هكذا ظهر لي ، ثم رأيت زكريا ذكر بعضه وقال القاضي أعاد لفظ {هُدىً} لأنه أراد بالثاني أعم من الأول ، وهو ما أتى به الرسل ، واقتضاه العقل ، أي فمن تبع ما أتاه مراعًا ما يشهد به العقل .
{فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} : في الدنيا: من أن يحل بهم مكروه من الله ، كنار وصيحة ومسه وإغراق ، كما يحل بمن شاء الله ممن لم يتبع الهدى .
{ولاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} : فيها ، عن فوات شيء منها لحقارتها في عيونهم لاتباعهم هداى ، أو لا خوف عليهم في الآخرة من النار وسخط الله وغضبه ، ولا هم يحزنون فيها عن فوات محبوب ، لأن كل ما يحبونه فيها لا يفوتهم ، ولا يفوتهم ثواب أعمالهم ، ولا ما يريده الله من الخير ، فإن الخوف على المتوقع ، والحزن على الواقع ، لا يتوقعون مكروها ، ولا يحزنون على واقع ، لعدم وقوع ما يحزنهم ، وقد يطلق الحزن في الخوف ، وقيل: لا خوف عليهم في الدنيا بما يستقبل من الآخرة ، ولا هم يحزنون في الآخرة عما فاتهم من الدنيا . واقتصر الطبرى ومختصره على الاحتمال الثاني . ورجحه بعض ، وبه قال ابن أبي زيد ، قالوا وليس شيء أعظم في صدر من يموت مما بعد الموت ، فآمنهم الله سبحانه وتعالى وسلاهم عن الدنيا ، وقرأ الجحدرى: فلا خوف عليهم [ بفتح الفاء ] .