فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 7694

{وَلاَ يُؤْخَذُ مِنهَا عَدْلٌ} : الضميران للنفس الأولى لأنها المحدث عنها المسوق لها الكلام المذكورة على سبيل العمدة ، لأنها فاعل تجزى بخلاف الثانية فإنها فضلة ، أي لا يقبل من نفس شفاعتها للنفس الأخرى العاصية ، فلا تدفع عنها العذاب بشفاعتها لو شفعت ، ولا يؤخذ منها ما يكون عدلا للنفس العاصية وبدلا منها لو كان بدلها الذي تنفع فتنجى به موجودًا فكيف وهو لا يوجد . وقال الحسن: العدل الإيمان ، أي لا ضد الجور ، أو لأنهُ يجعل عديلا للنفس فلا يقبل ، وكذا كان يفسر الفدية بالإيمان ، فهم يؤمنون ولا يقبل عنهم وأما أن يجزى أحد عن أحد بأداء ما كان عليه فقد نفاه بقوله: {لا تجزى نفس عن نفس شيئًا} ، وأما أن ينجى أحد أحدًا بالنصر والقهر فمذكور نفيه في قوله:

{وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} : من عذاب الله ، وفي آيات أخر مثل قوله: {وما للظالمين من أنصار} وأما أن يمن الله بالعفو فليس الكافر أهلا لذلك ، ويجوز عود الضمير في قوله: {لا يقبل منها} وقوله: {لا يؤخذ منها} للنفس الثانية العاصية ، أي لا يقبل منها الشفاعة التي تأتى بها يشفعها فيها غيرها ، ولا يؤخذ منها الشيء الذي تأتى به عدلا لها ومساويًا تعوضه عن نفسها لتنجو . وهذا الوجه يناسبه قوله: {ولا هم ينصرون} فإن الضمير فيه للنفوس العاصية لا غير ، مع قوله: {ولا يؤخذ منها} أنسب بالعاصية أيضًا ، ويجوز عود الضمير في قوله: {لا يقبل} للنفس الأولى ، فإنه أنسب بها وفي قوله: {ولا يؤخذ منها} للثانية العاصية ، وأجاز بعضهم عود الضمير في: {ولا هم ينصرون} للنفسين ، وهو ضعيف لاختصاصه بكون النفسين مشركتين أو فاسقتين أو فاسقة ومشركة ، لكن له وجه هو أ ، يكون المعنى أن الأخلاء على المعصية مع حب بعضهم لبعض في الدنيا لا ينصر بعضهم بعضًا ، ولا ينصرهم المؤمنون والأولى إبقاء النفس على عمومها في المطيع والعاصى ، وعود الضمير: {ولا هم ينصرون} للعصاة كما مر ، وإنما عاد الضمير الجمع المذكور للواحد المؤنث وهو النفس الثانية العاصية ، لأن المراد بها الناس والعباد ، فهي بمعنى جماعة الذكور ، وإنما كانت بمعنى الجماعة لأنها نكرة في سياق النفى ، وإن قلت: فهل الشفاعة والفداء بالعدل واقعان ولكن لا يقبلان أم غير واقعين؟ قلت: غير واقعين أما من تأهل للشفاعة من الملائكة والأنبياء والعلماء الصالحين فلا يتعرضون بها لمن ظهرت شقاوته لهم ، فإن تعرضوا بها لهم قبل أن تظهر لهم قيل لهم أنهم بدلوا وغيروا وليسوا أهلا لها فيتركوا التعرض لها ، وأما من لم يتأهل لها فمشغول بنفسه لا يدرى ما يفعل به ، أو حضر له أنه من أهل الجنة ، ولم يبلغ أن يشفع لغيره ، وأما الفداء فليس هناك ما يفدى به أحد نفسه ولا غيره ، فكأنه قيل لا يقبل منها شفاعة لو كانت شفاعة مستمرة ، فكيف لا تكون شفاعة أصلا ، ومتى صدرت شفاعة منها ثم علمت أن المشفوع له غير متأهل تركتها ولم تستمر على طلبها ، ولا يقبل منها عدل لو كان فكيف وهو لا يكون ، وقد بانت لك أوجه القسمة العقلية المذكورة في الآية وغيرها ، وهي إما أن يقضى أحد عن أحد حقًا واجبًا ، وإما أن يشفع له ، وإما أن ينجيه بمماثله ، وإما أن ينصره فينجيه بالقهر بلا عوض ، وإما أن يعفو صاحب الحق وهو الله تعالى والمظلوم ، وكل ذلك غير واقع ، ولك حمل الآية على القسمة التي يذكر أصحاب علم المعاني مثلها وهي التي فيمن سعى إلى سعى بيانه أن النفس مشغولة بشأنها فلا تقضى واجب الحقوق عن النفس الأخرى ، ولا تقدر على ذلك ، ثم لو قدرت على شفاعة لأن الشفاعة بلا قضاء لم تقبل منها ، ثم لو أمكن أن يوجد فداء بنفس أخرى لم يؤخذ منها ، ولو سعت بالقهر لم تتمكن منه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت