فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 7694

« الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين » يعني أن ما يسمى الترفاس من منة الله علينا بلا تعب ، فجعله من المن لأنهُ بلا تعب ، أو يعني أنهُ من المن المذكور في هذه الآية ، بمعنى أن جنسهما واحد وهو ما مَنَّ به بلا تعب ، ومعنى كون مائه شفاء للعين أنه يخلط بدواء آخر أو لوجع مخصوص ، وقد أطلت الكلام عليه في تحفة الحب في أصل الطب . وقالوا يا موسى: قتلنا هذه المن بحلاوته فادع ربك أن يطعمنا اللحم . فأرسل عليهم السلوى كما قال الله عز وعلا:

{وَالسَّلْوَى} : وهو طائر يشبه السمانى ، وقيل السمانى بعينه ، يرسل الله جل وعلا ريح الجنوب فتحشرها إليهم كل يوم ، فيأخذون منها ما يكفيهم يومًا وليلة ويذبحون ، وإن زادوا فسد ، وإذا كان يوم الجمعة أخذوا ليوم السبت كما مر في المن وإن أخذوا المن والسلوى لأكثر من يوم الجمعة والسبت فسد ، وقيل السلوى طائر كالحمام تحشره ريح الجنوب ، ويطلق في اللغة على العسل أيضًا وليس مرادًا في الآية ، بل المراد فيها الطائر بإجماع ، ومن استعماله بمعنى العسل قول خالد ابن زهير الهذلى:

وقاسمها بالله عهدًا لأنتم ... ألذ من السلوى إذا ما نشورها

وليس غلظًا بل هو من معانيه لغة ، وغلط من غلّطه ، وممن غلطه الزجاج وعياض ، قال ابن سيده: السلوى طائر أبيض مثل السمانى واحدته ساواة ، والسلوى العسل ، قال خالد بن زهير الهذلى: وقاسمها بالله جهدا . . . البيت قال الزجاج: أخطأ خالد إنما السلوى طائر ، انتهى . وقيل يميل للحمرة ، وقيل السلوى اللحم . قال العزالى: سمى سلوى لأنهُ يسلى الإنسان عن سائر الإدام . والناس يسمونه قاطع الشهوات ، وكذا غلّطه الأخفش أعنى غلط خالدًا ، قال: لم يُسمع لهُ بواحد ، ويشبه أن يكون واحده ساوى كدفلى للواحد والجمع ، وهو طائر يعيش دهره في قلب اللجة ، وإذا مرضت البزاة بوجع الكبد طلبته وأخذته وأكلت كبده فتبرأ ، وهو الذي أنزل الله تعالى على بنى إسرائيل على القول المشهور ، وغلط الهذلى فظنه العسل فقال: ألذ من السلوى إذا ما نشوزها . انتهى .

والسمانى سمى لسمنة وهو بوزن الحبارى بالضم والتخفيف ، ويسمى أيضًا قتيل الرعد من أجل أنه إذا سمع الرعد مات ، وفرخه يطير إذا خرج من البيضة لساعته ، والسمانى يلبد بالأرض ولا يكاد يطير إلا أن يطار . قال البخارى في أحاديث الأنبياء ومسلم في النكاح بسندهما إلى أبي هريرة ، قال رسول الله A: « لولا بنو إسرائيل لم يخثر لحم ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر أبدًا » أي لم يتغير اللحم أبدًا ولم ينتن لما أنزل الله المن والسلوى نهوا عن ادخارهما فادخروا ففسد وأنتن واستمر من ذلك الوقت ، وقدم المن على السلوى ولو كانت الحلواء تتأخر عن الغذاء لأن نزول المن من السماء مخالف للعادة ، وقدم لاستعظامه بخلاف الطيور المأكولة ، والموافقة لفظ المن معنى الامتنان والمنة والمقام مقام ذكر الامتنان على بنى إسرائيل ، فناسب الابتداء به ، بل اقول أيضًا: إن المن ولو كان حلواء لكنه غذاء ، والسولى إنما هو ليقطعوا به شدة حلاوتها كما مر عنهم فهو عندهم حينئذ كالتمر عندنا في بلادنا هذه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت