فلما انقطع بكاؤه فقال: يا هؤلاء ما يبكيكم؟
قالوا: لا ندرى لكن رأيناك تبكى .
قال: آية نزلت يُنبئ فيها ربي أنى وارد النار ولم ينبئ أنى خارج .
وفي رواية: ولم ينبئ أنى صادر عنها . فلا دليل فيها على أن الورود الدخول لإمكان إرادته أن يبكى من حضوره حولها أو عدم علمه أنه ينجو أم لا .
واحتج أيضًا الذين فسروا بها الدخول بقوله تعالى: {فأوردهم النار} قال أبو القاسم البرادى: ولا حجة لهم فيه لأنه يلزم أن يكون فرعون هو الذي أدخل قومه النار .
قلت للخصم: إن يَلزم أنه أدخلهم فإنه أضلهم ، فهو سبب في دخولهم .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى: {ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} .
قال أبو القاسم: وهذا أيضا ساقط؛ فإن مجرور « في » يصلح أن يكون ضميرا لعرصة القيامة أي أما كنها . والقنطرة: الجسر .
قلت: وهذا من أبي القاسم في هذا المقام إثبات للجسر الذي على النار الذي يقول قومنا: إنه أدق من الشعرة وأمضى من السيف ولا ضير في ذلك ولو ادعى بعض الأصحاب شرك القائل به أو نفاقه وأنه ليس منا ، وفي الشيخ هود مثله كما يأتي - إن شاء الله .
واستدل أبو القاسم على أن الورود غير الدخول بقوله سبحانه وتعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مُبعدون لا يسمعون حسيسها} ، وقوله جل وعلا: {ربنا إنك مَن تُدْخِلِ النار فقد أخزيته} والمؤمن لا يخزى .
قلت: وللخصم أن يقول: المراد مُبعدون عن أن يعذبوا بها لا عن دخولها ، كما أحضروا حولها ولم يبعدوا عن الحضرو ، فليسوا يدخلونها يعذبون بها ويسمعون حسيسها وهم في العذاب .
وأما دخول النار بلا عذاب فليس يجزى ، ولا يحكم على مَن قال بأن الورود هو الدخول بالكفر ، ولا بالمعصية ، بل روى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر عن أبي هريرة عن رسول الله A: « لا يموت لأحد ثلاثةٌ من البنين فتمسَّه النار إلا تحَّلةَ القسم » فهما نص في أن الورود دخول .
وفي تفسير الشيخ هود C: إذا كان يوم القيامة قال الجبار: {لمن المُلك اليومَ} فلا مُجيب فيقول: {لله الواحد القهار اليومَ تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب} ثم يأتي عنق من النار يسمع وينظر ويتكلم ، فيشرف عليهم فيقول: وُكِّلتُ بثلاثة: من ادعى مع الله إلهًا آخر ، ومن ادعى أن الله والد ، ومن ادعى لنفسه الربوبية ، فتلقطهم التقاط الحمام للسمسم ثم تغوص بهم فتعود وتقول: إني وُكِّلأ بثلاثة: بمن سبَّ الله ، وبمن كذب على الله ، وبمن آذى الله فهمن سبه فهو الذي قال: إن الله اتخذ صاحبه والكاذب: منكر البعث {وأقسموا بالله جَهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} والذين آذوا: هم المصورون فتلقطهم كذلك .