فهرس الكتاب

الصفحة 3929 من 7694

وكان إبليس لا يُحجب عن شيء من السموات حتى رفع الله عيسى - عليه السلام - فحُجِب من أربع ، فكان مصعد في ثلاث فلما بعث الله نبينا محمدا A حُجب من الثلاثة أيضًا .

وهو وجنوده محجوبون من جميع السموات إلا من استرق السمع فلما سمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب والثناء عليه ، أدركه البغى والحسد ، وصعد سريعًا حتى وقف موقفًا كان يقفه . فقال: يا إلهى نظرت إلى عبدك أيوب ، فوجدته عبدًا أنعمت عليه فشكرك ، وعافيْتَه فحمدك ، لم تبله بشدة ولين ، ضربته ببلاء ليكفرن بك وينساك .

فقال له: انطلق إليه ، فقد سلطتك على ماله .

فانطلق وجمع العفاريت فقال: ما عندكم من القوة؛ فإني قد سُلِّطتُ على مال أيوب ، وزوال المال هو المصيبة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال؟

قال عفريت: أُعطيتُ من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارًا من نار ، وأحرقتُ كل شيء آتى عليه .

قال إبليس: فائْتِ الإبل ورعاتَها .

فانطلق إلى ذلك ، ووجدها وضعت رءوسها في مراعيها ، ولم يشعر الناس حتى ثارت من الأرض إعصارًا من نار . فنفخ فيها ريح السموم فأحرقها ورعاتها .

ولما فرغ إبليس على قعود منها ، وانطلق إلى أيوب فوجده يصلى . فقال: يا أيوب .

قال: لبيك .

قال: هل تدرى ما الذي صنع ربك الذي اخترتَه وعبدتَه بإبلك ورعاتها؟

قال أيوب: إنها مالُه أعارنيه ، وهو أولى به .

فقال إبليس: أرسلَ إليها نارًا من السماء فأحرقت .

فمن الناس من يقول: ما كان أيوب يعبد شيئًا وما كان إلا في غرور .

ومَن يقول: لو كان إلهُ أيوب يقدر على أن يمنع شيئًا لمنع عن وليّه .

ومَن يقول: أفعلَ به ربه ذلك ليشمت به عدوه ، ويفجع به صديقه؟!

فقال أيوب: الحمد لله حين أعطانى ، وحين نزع منى . عريانًا خرجت من بطن أمى ، وأعود إلى القبر بلا مال ، وعريانًا أحشر إلى الله . ليس لك أن تفرح حين أعارك ، ولا أن تجزع حين رد العاريّة . ولو علم فيك خيرًا لنقلك مع تلك الأرواح ، كذا قال .

والخطاب للرجل الذي تمثل به إبليس . وهو مشكل ، فإنه إنما يقول: لو علم فيك خيرًا لنقلك مع تلك الأرواح ، لو كان مؤمنًا ، ولعل الخطاب لنفسه فرجع إبليس - أبعده الله - خائبًا ذليلا . فقال لأصحابه: ما عندكم؟

فقال عفريت: عندي ما إذا شئت صحتُ بصوت لا يسمعه ذو روح إلا مات .

فقال له: إيتِ الغنم ورعاتَها .

فانطلق وتوسطها وصاح ، وماتت ورعاتها ، ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان الرعاة إلى أيوب ، وهو قائم يصلى فقال له مثل قوله الأول ، ورد عليه أيوب كرده الأول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت